(بزورتنا بسم الله عليهم شياطين زي العفاريت، تصرفاتهم همجية، يختي شوفي الولد كيف يضارب كأنه راكبه عفريت، ليش بزورة الأجانب زي الآيات منظمين و ما يخربوا شي، هذه جيناتنا هي المشكلة).
هذا مثال لأحد أنواع جلد الذات، لم نجد سبباً (للفساد الطفولي) سوى جيناتنا (جيناتنا أشباهنا)، طبعاً إلقاء اللوم على الجينات مسألة غاية في اللطافة و تعطي إحساساً جميلاً بالراحة، فنكتفي بقول ( سوينا إللي علينا بس الجينات) و نمصمص شفاهنا بحسرة و نكمل أكل الفصفص و شرب الشاي ( بلاك كوفي و مارون جلاسيه في حالة إذا كنا كوولاً).
حتى نكون موضوعيين و نتجنب (الشخصنة)، فلنستعرض منظومتين:
عندنا
تدخل الملاهي مع الأطفال، تشتري بطاقة الألعاب و تبدأوا باختيار الألعاب. يدخل الجميع صف الألعاب فتفاجأ بجميع الأطفال و قد تكأكأكوا على العامل و الكل ينادي (محمد محححمددد هنا خد كرت، لااااا هنا يا محححمد أنا جيت أول)، عزيزنا (المحمد) يخدم لا شعورياً أعلى الأطفال صوتاً أو أطولهم يداً، في حين أن طفلك الذي أشبعته بمثاليات احترام الغير و انتظار الدور يقبع في آخر الصف (اللي سواه مع نفسه) و هو شاعر بكل أنواع الغبن و الظلم فيشك في أنه هو الضعيف و المخطأ.
في الألعاب التي تتطلب خلع الأحذية، يدخل الطفل متحمساً و لا شعورياً يخلع حذاءه و يرميه في منتصف الطريق و يجري ليلعب، في حالة إذا كان طفلاً (فنتوراً) فستسارع (الداده) لأخذ الحذاء ووضعه في مكانه المخصص أو ستظل تحمله حتى ينتهي (همودي) أو (أبودي) من اللعب. أما اذا لم تكن معه خادمة فإما سيظل الحذاء مرمياً أو سيأتي العامل و يزيحه عن الطريق و لكن أحداً لن يحاسب الطفل.
في ردهة المطاعم، تقف لطلب الطعام، يأتي دورك (في حالة كان هناك دوراً) و تبدأ بالطلب، يأتي فجأة طفل و يرفع عقيرته (محححمد مححححمد جيب واحد بيبسي)، يتركك العامل و يذهب لخدمة (صغير الحجم حاد الصوت) على اعتبار أنه طفل و لا يجوز تركه ينتظر، تشعر أنت بالغبن و تستنكر على العامل فيستغرب لأنه طفل، و الأدهى أنك قد تطلب من الطفل انتظار دوره فيعاجلك بتعليق على شاكلة (مالك صلاح فيني) فتبلع لسانك لأنك لن تتناقش مع طفل ليس لك.
عندهم
نفس الأمثلة السابقة، في الملاهي، اذا تعدى طفل دوره فلن يخدمه العامل و سيطلب منه (هو و ليس أنت) أن ينتظر دوره و اذا رفض فسيتم استدعاء أهله و إخراجه من اللعبة.
نفس النظام عند خلع الحذاء، لن يُسمح لطفل برمي حذاءه و إلا سيحرم من اللعب، حتى إذا ألقى الطفل بحذاءه لا شعورياً، يأتي العامل و ينبهه بهدوء نظراً لإنعدام ظاهرة (داده سعدية) و (داده رحمة).
و طبعاً قِس على هذا في مثال المطاعم، لن يخدم العامل من لا يقف في الدور و لن تضطر أنت للإحتكاك مع الناس لحفظ حقك.
عندنا و عندهم، الطفل هو الطفل. الفرق أن طفلنا من الأمثلة السابقة قد تشبع بمبادئ على شاكلة (البقاء للأقوى و الأكثر دفعاً)، (لماذا أُتعب نفسي فهناك من سيقوم بالعمل بدلاً مني)، (أنا لا أنتظر فأنا مهم).
لو رفض العامل مبدأ مناداته ب (يا محمد يا محمد) و نظم صف الدور في مثال الألعاب لانتهت المشكلة و تم القضاء على ظاهرة (الفساد الطفولي) المتمثلة بتعدي الأطفال على دور غيرهم.
أطفالنا لو وضعناهم في منظومة أخرى فسيتغير الوضع كليةً، فذاك الطفل الذي كان ينقض على (المرجيحة) كالوحش و يرفض إفساح المجل لغيره للعب سيضطر لأن يتعامل مع (المرجيحة) بآدمية إذا شعر بأن الإفساد سيترتب عليه حرمانه من متعة اللعب.
قد لا أكون قد أتيت بجديد و لكن أتسائل، إلى متى ستظل أبسط قواعد التعامل مفقودة في الأماكن العامة؟
كثيرون هم من يتحدثون عن الرغبة في التغيير و القضاء على الفساد، أو ليس من الأجدى تربية (المفسدون الصغار) حتى لا يتعملقوا فيكملوا منظومة الفساد؟؟
أعلم أن هناك من يقرأ و يبتسم بسخرية قائلاً ( ههه ما لقيتي غير تتشطري على البزارين، يعني هم الكبار عدلين أصلاً؟؟)
إذا كنا كباراً و صغاراً غير (عِِدْلين)، فماذا ننتظر من أنفسنا؟؟إذا كانت طوابيرنا في الأماكن العامة فاسدة فهل نتخيل أن طابور أرض المنحة سيكون ( نزيهاً)؟؟
إنها منظومة، لا تظلموا الجينات
هتون قاضي
١٥/٢/٢٠١٢