خلاصة RSS

مالم أخبر به إبني من قبل

Posted on

ابني الحبيب،

سأبدأ رسالتي إليك بدايةً غريبة، وأستهلها بسؤال أعلم أنه سيفاجئك.

هل أخبرتك يومًا كم ازداد ولعي بك حين استفقت على حقيقة أن القلب الوحيد الذي أحبني بلا أي شرط أو انتظار قد رحل يوم رحلت أمي؟

لقد عايشت معي مراحل فقدها، وربما تعلم أنني، رغم ما يُظن عني من كثرة الحديث، نادرًا ما أبوح بما يعتمل في داخلي. لكنني بعد رحيلها أدركت يقينًا معنى قلب الأم، وعندها فقط تضاعف حبي لك أضعافًا مضاعفة.


ابني الحبيب،

أحبك دون شروط، وأكذب إن قلت بلا توقعات، ولكن أقسم بمن رفع السماء بلا عمد أنها ليست توقعات قدر ما هي تطلعات لأن أراك في أفضل مكان ومحاطًا بخيرة الناس لا أراذلهم.

وأعدك، وإن شعرت بالفخر بك وأنت ناجح ومتميز، سأتذكر دائمًا أنني كنت أهيئك لتكون فردًا صالحًا لدينك ولمجتمعك، وليس لأحقق لنفسي إنجازًا شخصيًا.

وأن برك بي سيكون، بحول الله، نتيجة لا فرضًا ثقيلًا عليك تفعله فقط لأنك ملزم به، بل سيكون محبة لي ووفاء لكل ما بيننا من عمار.


ابني الغالي،

سمعت عدة مرات عن تلك المرأة التي ستكون جيشك الوحيد حين يتخلى عنك الجميع، وهذه الحورية قد تقابلها في الدنيا ولكن غالبًا هي ليست بشرية.

دع عنك تلك الرومانسيات والتي تهيأ للشخص أن الصبر لا حدود له عند المرأة المحبة، فمهما أخلصت المرأة سيكون هناك رصيد لك عندها، وحين يستنفد، فلا أحد يلومها إن قالت: (نفد صبري).

لكن الأم قصة أخرى أيها الغالي، يا ثمرة الفؤاد وروح القلب.

الأم لا تتخلى ولا تفقد الأمل.

أستطيع بكل ما أوتيت من ثقة أن أقول أن الأم هي الجيش الوحيد، وأسأل الله تعالى أن لا يضع هذا الادعاء موضع الاختبار.

فدعواتي لك دائمًا أن تكون مؤيدًا بقوته تعالى، ومنصورًا، ومنجزًا، وعندك كل أدوات التمكين التي تجعلك في أفضل مكان.

وأعدك أن أكون جيشك الوحيد الموجود فقط لشعور الأمان لا الاحتياج.

وأعدك أيضًا أن من تختارها لتشاركك حياتك ستكون ذات قدر ومنزلة عاليين عندي، فإن أحببتها فهي بلا شك تستحق قلبك، ذاك القلب الذي صنعه الله على عينه، وأعلم أنه يستحق الحب.


ابني الجميل الطيب

أعلم أنه بحكم علاقتنا القريبة تحصل بيننا الخلافات، وأنا لم أسع يومًا أن تكون علاقتنا قائمة على التوجيه من طرف واحد، فالخلافات بالإجمال صحية، ودليل على أن كل طرف له وجهة نظر مختلفة تعكس شخصيته المتفردة.

أعترف أنني أفرح سرًا حين أجدك تظهر طبعًا مشابهًا لي، أو تومئ برأسك حين تتحدث بطريقة اعتدت أنا عليها، ولكني داخليًا أخاطب نفسي بأن تفردك نجاح لي، وشخصيتك المستقلة هي ما ستجعلك، بحول الله وحسن تدبيره، قادرًا على تشكيل آرائك الخاصة.

إلا أنني، وبحكم العلم والخبرة، أعلم أن لا يزال أمامك الكثير، وحين نختلف في أمر أنا واثقة تمامًا أنني أعلم به منك، فسأنصحك وأوجهك.

أعلم يا قرة عيني أن كلام الأم قد يكون ثقيل الوقع لإحساسك بأنني أحاول السيطرة عليك، ولكن أعلم أكثر أن تكرار الكلام، والذي يصدقه العمل، سيؤتي ثماره ولو بعد حين.

هل رأيتني كففت يومًا عن حثك على الصلاة رغم تململك مني؟

هل توقفت عن توجيهك سلوكيًا في طريقة التعامل مع الآخرين رغم نظرات (خلاص يا ماما فهمت) التي كنت ترشقني بها؟

هل مللت يومًا من حثك على الانتباه لدروسك والحرص على أداء واجباتك بحرص وأمانة؟

هل وجدتني توقفت عن توجيهك في كيفية التعامل مع من هم أكبر منك سنًا وكيف تتواصل مع من لهم عليك حق صلة الرحم؟

لم ولن أتوقف عن هذا يا حبيبي، فالتكرار سيجعل كل ما أعلمك إياه يرسخ في عقلك وستستحضره يومًا.

لا أفعل هذا لتقول: (والله ماما كان معاها حق)، ففعليًا هذا ليس هدفي، ولكن ما أتطلع إليه هو أن تكون أنت أفضل نسخة من نفسك، وأن تعتاد على التحسين منها دائمًا.

دقيقة،

لا تخف وتعتقد أنك ستكبر وتصبح رب أسرة وأستمر بتوجيهك كأنك طفل صغير.

أعدك أن لا يحصل ذلك أبدًا، وستكون صورتك أمام الآخرين، بإذن الله، محفوظة من طرفي، وسأتذكر دائمًا أن ذاك الطفل الصغير أضحى رجلًا مسؤولًا ورب أسرة، وسأعطيك المساحة كاملة.


ابني البار

أعلم أنك دائمًا موجود إن احتجتك، ولكن أعدك أن لا تكون وحدتي سببًا للضغط عليك.

فكل ما تراه من محاولات دائمة مني لتعويد نفسي على الوحدة والعيش بارتياح بعد أن تفرد جناحك وتغادر العش،

هي تمهيد لمستقبل أراك فيه في أفضل مكان وإن لم يكن أقرب مكان.

هذه الدنيا واسعة يا ابني، كوسع قلبي الذي يحبك، والفرص فيها لا محدودة، فقط تنتظر من يقتنصها.

وأعدك أن أبارك دائمًا خطواتك، وأن لا أتوقف عن الدعاء لك أن يفتح الله عليك في كل مكان.


ابني…

أحبك دائمًا.

ولو خُيرت ألف مرة، لاخترتك أنت، بكل تفاصيلك، في كل مرة.

وحين فقدت أمي، أدركت كيف يكون قلب الأم.

فإذا جاء يوم وغبت عن دنياك كما غابت هي عن دنياي، فأرجو أن يبقى في قلبك يقين واحد:

أن هناك امرأة أحبَّتك حبًا لم يعرف يومًا مساومة، ولم ينتظر منك مقابلًا، وأنها كانت، وستظل ما دام الدعاء يصل، تدعو الله أن يرضى عنك، ويرضيك، ويمتعني بك ما حييت.

لأنك، يا بني، زينة حياتي في الدنيا، وأسأل الله أن يجمعنا في الآخرة على خير مما اجتمعنا عليه هنا.

هتون

وهم سحر البدايات

حين كنت أصغر عمرا، لطالما كنت مأخوذة بسحر البدايات. ذاك الألق والسحر اللذان يصاحبان البدايات الجديدة خاصة تلك التي أوتينا مفاتحها ولا يشوبها الخوف من المجهول قدر ترقب المتعة، فلا أجمل من بدايات الحب بعد الشعور بفراشاته، بدايات التحضير لرحلة طال انتظارها، بداية وظيفة جديدة كانت تبدو كالحلم. ولكني تغيرت، حقيقة لا أعرف مصدر هذا التغيير، هل هو مرور السنوات؟ الفقد؟ تراكم الخبرة واتساع الأفق والذي قلل فرص الدهشة؟ لعلها كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن ما أعرفه حق اليقين هو أني تغيرت.

لازالت روحي متوقدة وأرغب دائما بتعلم واستكشاف الجديد ولا شئ يوقفني عن ذلك، ولكن حس استشعار التبعات أصبح عندي قويا بطريقة قد يراها البعض قاتلة للمتعة، وأراها أنا بعد نظر وبصيرة. حسنا فقط لأوضح، هنا في المدونة تتجلى “هتونيتي” التي في كثير من الأحيان لا تخضع لمنطق معين، وأعطي لنفسي الحق بما أنها مساحتي الخاصة أن أهرطق فيها كما أشاء، ومن يقرأني غالبا ما يكون يعرفني، أما من يقرأني أول مرة فحياك الله، ولكن تريث قبل أن تحكم، وخذ لفة سريعة على باقي المدونة، وأنصحك بتدوينة “مقاسك كبيييييييير”، فإذا ضحكت منها فستسامحني على الباقي. عودة لموضوعنا، تنامى عندي حس استشعار التبعات مع الوقت، وأصبحت أدرك تماما معنى محدودية وقتنا على هذه البسيطة. فبعد الأربعين، والذي بالمناسبة هو السن الذي أود تجميده وقضاء ما تبقى لي من عمر أرتع في جمالياته ورونقه، بدأت أدرك أنه مهما مد الله في عمرنا، فما تبقى لن يكون كما سبق، فإذا كانت لدى العشريني طاقة لتحمل مكان عمل صعب وشاق ولكنه يحمل الكثير من الخبرات، فالأربعيني قد يقدر على هذا ولكنه لا يرغب، وذلك لأنه لا يستشعر الفائدة من ذلك، أما العشريني فهذه خبرة متراكمة، وللحق، دائما ما أنصح العشرينيين بخوض التجارب في العمل وتجنب عبارات مثل “لازم أحط حدود قوية” “ممنوع أحد يستغلني” “ما أسمح أحد يكلمني أو يطلب مني شغل خارج أوقات العمل” فهذا لن يخدمك، فإذا كانوا يستغلونك لأنك صغير وغض، فأنت مستفيد لأنك تكسب خبرة وعلاقات لن يكتسبها زميلك ذي الحدود المرسومة بالفرجار ومثلث علبة الهندسة، وستكون فرصك أكبر في الترقي والانتقالات لأماكن عمل أفضل، ما أقصده هنا هي أن تجعل عقليتك متفتحة وترى الفرص ووسعها وليس الحدود وضيقها، هذا موضوع طويل لعلي أناقشه لاحقا، ولكن لنعد لبني جلدتي الأربعينيين، نحن لسنا مستعدون لذلك، لم نعد بحاجة للتصفيق كما كنا في عشرينياتنا، الآن نحن نتطلع لفرص نمو وتطوير منا نحن لأماكن عملنا، نحن نسعى لخلق الأثر وإحداث التغيير، ولازلنا نتعلم ونحضر الدورات وورش العمل، وأصبحنا نعطيها وندرسها كذلك، إذا لا وقت لدينا لإهداره، لن نقفز عند أول فرصة للانضمام للشركة التي يبدو إسمها كالحلم ونتطلع لسحر البدايات، فقد حلمنا وانتهينا، نحن نستشعر ما بعد ذلك، وهذه بصيرة، ولا مش بصيرة؟ نحسبها كذلك والله حسيبها. إذا لا مزيد من الانبهار بالانضمام لمكان ما، لن أشتري العباءة الجديدة والحذاء الملمع وأنام بالليل وأنا أحلم بأول يوم عمل، لنرى ما تحمله هذه الفرصة وبعدها لكل حادث حديث.

أما ألق البدايات في العلاقات. لطالما كان هذا هو السحر الأخاذ، إنها الفراشات والترقب، إنها تلك الحالة التي يتسيدها الدوبامين ويحكمها كمية الأوكسيتوسين في الدماغ والتي تجعل الشخص في حالة من انعدام المنطق ولا يرى الدنيا سوى “بمبي بمبي بمبي بمبييييييي” كما غنت سندريلا الشاشة سعاد حسني رحمها الله بصوتها العذب في فيلمها الشهير “أميرة حبي أنا”. هذه الحالة، ورغم جمالها وشعورها الذي يجعل الشخص خفيفا وكأنه طائر في سماء زرقاء مفتوحة لا يحدها شئ، ليست هي أبدا القضية، فلا جدال في أنها حالة شعورية يستحق كل كائن حي أن يعيشها، والسؤال هنا ليس سؤال المرا هقين الحزين “هل ستستمر؟؟”، فالكبار يعرفون أن هذه الحالة من المستحيل أن تستمر، وليس من المطلوب منها أصلا أن تستمر. تخيلوا معي أن كل المتزوجين المسؤولين يعيشون في حالة دائمة من الطيران والهيمان ويترقبون كلمة أو إشارة من المحبوب؟ من سيعمر الكون حينها؟ هي حالة تعاش ومن الممكن تجديدها ولكن استمرارها معناها أن الكون سيصبح عبارة عن جحافل من الصم البكم العمي الذين لا يعقلون، إذا هذا ليس المهم. ما يجعلني أتسائل وأتفكر هو متى ستصل العلاقة لحالة النضج؟ متى ستتراكم الذكريات؟ متى سيرتفع رصيد المحبة والمودة وتصبح العلاقة متينة وصلبة لا تهددها الأزمات العابرة؟ الفراشات وألق البدايات سهل، ولكن التفاهم والتناغم والفهم من نظرة واحدة وذاك التخاطب العقلي الذي لا يأتي إلا بفهم الطرف الاخر فهما عميقا، متى سيكون؟ هل هناك وقت لذلك؟ لا أرغب أبدا بأن أكون متشائمة أو قاتلة لمتعة الترقب، ومقتنعة تماما أنه من الطبيعي جدا أن يبدأ الإنسان علاقة جديدة في أي مرحلة عمرية، ولكني لا أستطيع منع نفسي من التفكير فيما إذا كان من الممكن أن تصل العلاقة في فترة زمنية محدودة لذاك النضج الذي يستوجب سنوات وسنوات من المواقف والذكريات المشتركة. ولا أخفيكم أنني أسأل نفسي، ماهي الحدود هنا بين التفاؤل الذي هو وقود استمرار الحياة رغم الصعوبات وبين الواقعية والتي تفرق بين الشخص الحالم والشخص الثابت على الأرض؟ ماهي الخلطة السحرية التي ستجعل قلبك غضا طريا قابلا لإعادة التشكل وتقبل الجديد وبين سيطرتك على هذا القلب بتطويع العقل ليحكمه فلا يذهب بك في داهية لا تعلم لها آخرا أو قرارا؟

أو لعلي فعلا أقتل المتعة، إذا سأتوقف هنا وأراكم في تدوينة لاحقة.

هتون

١٧/١/٢٠٢٦