خلاصة RSS

الخيبات

Posted on

هل من اللائق أن يتحدث الإنسان عن خيباته؟ يلح علي هذا السؤال كثيرا. كشخص يزعم أن لا مشكلة لديه في التحدث عن خيباته وإخفاقاته، إلا أنني وجدت بأنني لست بذاك الصدق مع نفسي في هذه النقطة. نعم، لا مشكلة لدي بالاعتراف بأخطائي والتندر عليها، كما أنني اتحمل مسؤوليتها كاملة وبتطرف أحيانا. ولكن، هل أستطيع بذات السهولة التحدث عن صراعاتي الداخلية؟ عن مشاعري المتضاربة؟ عن تأرجحي بين الحزن والرضا من غياب أساسيات في حياتي؟ عن محاولاتي الدائمة لترضية نفسي بإخبارها أنه من العادي جدا أن يكون في حياتنا نقص، وأن علي النظر للجزء الممتلئ من الكأس، ولكن هل هذا أصلا ممكن؟ إذا كان النقص حقيقة مؤلم، هل لازالت نظرية الكأس الممتلئة صالحة للاستخدام؟ هل من العدل أن أطلب من شخص متألم ويعاني من غياب شئ بأن عليه التقليل من قيمة هذا الشئ فقط ليكون إنسانا جيدا وممتنا؟ هل من الممكن أن يكون الشخص واقعيا وراضيا وحزينا في ذات الوقت؟

فلسفيا، قد يكون من المفيد أحيانا أن يتوقع الشخص أسوأ السيناريوهات ويستعد لها ويحاكيها، وسيكتشف عندها بأن قلقه من وقوعها أشد وطأة من وقوعها الفعلي. هذا النمط من التفكير يعتبره الكثيرون في عصر “دلاخة التفاؤل” تشاؤما وسوداوية، في حين أنها قد تكون نظرة عقلانية واقعية ليس إلا.

مثلا، أنت حاليا وحيد وتحتاج لشريك. ماذا إذا عشت وحيدا طوال عمرك؟ مالذي سيحدث؟ هل ستموت كمدا؟ غالبا لا. هل لديك صداقات وطيدة؟ قد لا تعوض الوحدة ولكنها ستزيد من جودة حياتك وتحسنها. هل كنت متزوجا سابقا ولديك أبناء؟ قد يتزوج أبنائك وينجبون لك أحفادا يدخلون السرور على قلبك. لديك عائلة ممتدة معروفة بالترابط؟ حسنا، هذا أمر جيد وسيساهم في جعلك تكبر وسط أناس يحبونك ويسألون عنك. هل تعمل؟ ممتاز، إذا سيكون لديك دخل ورعاية صحية تضمن لك عدم الحاجة. إذن نعم، الوحدة مؤلمة، والاحتياج العاطفي مضن ومتعب، وقد يبدو لك أن فرص إيجادك لشخص تحبه ويحبك وتتواؤم ظروفكما واحتياجاتكما شبه معدومة، ولكن هذا مدعاة للحزن وليس للهيستيريا، وشتان بينهما.

ما ذا إذا لم تتملك بيتا طوال عمرك؟ حسنا، لاداعي للجنون واستحضار المآسي. ما اسوأ السيناريوهات المحتملة؟ العيش بالإيجار؟ فليكن. قد يتطلب هذا منك العمل الدائم والمستمر دون كلل، ولكن أليس هذا نمط حياة معروف عند الكثيرين وبات من الممكن أن يعمل الإنسان حتى بعد سن التقاعد لتأمين دخل ولشغل الوقت؟هل ستتركك زوجتك لأنك وعدتها بالبيت ولم توف؟ حسنا هذا مؤلم، ولكن لو حدث فماذا ستفعل؟ تقتل نفسك حزنا وكمدا؟ أم تتعلم الدرس وتخطط أفضل للمستقبل؟ المحصلة أنك ستحزن، ولكن لن تفقد السيطرة إذا كنت واعيا.

ماذا إذا فقدت وظيفتك الحالية؟ يا الله لن أتحمل هذا. لدي قروض والتزامات، قد أفقد عقلي وصوابي. تعقل عزيزي قليلا، استحضر كل السيناريوهات وحاكها تماما. فقدان وظيفة دون تأمين أخرى أمر سئ ولا أحد يتمناه، ولكن لا أحد محصن ضده. هذا العالم هش، ومهما بدا نظام ما قويا ومتماسكا وعصيا على التفكك إلا أن كل شئ ممكنا، وما نحن إلا بشر ضعفاء نعيش في كنفه تعالى وأماننا وثقتنا فيه هو فقط وليس في أي نظام أو وظيفة. لن تتمكن من دفع قسط سيارتك؟ قد يأخذونها منك؟ بيتك الذي اقترضت من أجله؟ سيأخذونه؟ كلها قد تكون سيناريوهات محتملة، وضعها في عين الاعتبار والاستعداد نفسيا لها قد يساهم بصورة كبيرة من التقليل من القلق والتوتر واللذان لا طائل منهما سوى إفساد حاضرك بتصورات أكبر مما هي عليه حقيقة.

الخيبة والإحباط أمور سيئة، ولكن قد يكون تقبل وجودهما كحقائق حياتية أمر عقلاني وطريق للصحة النفسية. لن تكون الأمور دائما بخير، ولكن الخير الحقيقي هو تقبلها وتقبل المشاعر المصاحبة لها دون تجميل أو تغليف بائسين. نعم أنت حزين ولكنك لست بائس، أنت متألم ولكنك لازلت حيا، أنت محبط ولكنك مدرك لمشاعرك وملم بظروفك، وكل هذا خير.

تمنياتني لك عزيزي القارئ بكل الخير، وفي كل الظروف.

هتون قاضي،

أغسطس، ٢٠٢٢

لماذا أحببت الموسم الثاني من Bridgerton

Posted on

أنهيت البارحة مشاهدة الموسم الثاني من مسلسل Bridgerton والذي يعرض على نتفلكس. حقيقة لا أعلم لماذا بادرت بمشاهدة الموسم الثاني رغم أن الموسم الأول كان بالنسبة لي تافها ولا يزيد عن كونه إحدى رومانسيات روايات عبير والتي كنا نقوم بتهريبها أيام المراهقة. من يتذكر تلك الحقبة حين كانت فكرة الروايات نفسها مرفوضة مالم تكن مقرونة بقصص الجهاديين والجهاديات وبركاتهم وكراماتهم، وحين كان يتم تحذيرنا من الروايات الماجنة، وياله من تحذير لذيذ يجعل من الاستحواذ على إحدى تلك الروايات غنيمة تفوق في قيمتها غنائم الحرب. وكقارئة تصنف دودة كتب، كنت أشعر بالسعادة حين استحوذ على إحدى تلك الروايات، وكانت الرومانسية الساحقة فيها تلهب مشاعري الغضة ذاك الوقت، ولكني في داخلي كنت استتفه اللغة البدائية والقصص المكررة. فقد قرأت للمنفلوطي ونجيب محفوظ ويوسف السباعي في نفس الحقبة، وأعي تماما معنى العمق في المعنى واللغة البسيطة المعبرة، فروايات عبير كانت بالنسبة لي تجسيدا للاستحواذ على الممنوع وانتماء لمجتمع يتبادل غير المتوفر، لكن داخليا لم تعجبني يوما، وهذا كان شعوري ناحية مسلسل Bridgerton.

حين شاهدت إعلانات الموسم الثاني، لم أتحمس بتاتا ولم أنو مشاهدته، إلا أنه وقبل عدة أيام ووسط معمعة العمل وحين تأكدت بأنني سأعمل الصيف كله بدون إجازة، قررت أن أشاهد شيئا لا يستوجب التفكير ويكون جميلا بصريا. وفعلا، مسلسل Bridgerton عبارة عن تغذية بصرية. البيوت الفاخرة، الملابس والمجوهرات، الحدائق الغناء والتي تمثل سطوة ومكانة العائلات النبيلة في عصر ال Renaissance, كلها تجعلك مشدوها من جمال التفاصيل، فهيا يا هتون، دعي عنك العمق وتعقيدات المثقفين الذين تحسبين أنك منهم، ومتعي ناظريك وحاولي أن تستمتعي ببعض رومانسيات المراهقة، فما الضير من بعض الحب السطحي والوعد ب (سأحبك لآخر العمر)؟ على الأقل ستبتسمين تلك الابتسامة التي تعني (الله ربي يسعدهم)، فهيا لبعض روايات عبير.

وكانت المفاجأة. منذ الحلقة الأولى، لاحظت أن القصة مختلفة. في هذا الموسم، البطل كان (آنثوني بريدجيرتون)، الإبن الأكبر للعائلة والذي يعتبر رب الأسرة بعد وفاة الأب بحادث مأساوي حين كانت الأم حاملا بأصغر الأبناء السبعة والذي لم يقابل والده. في تلك الحقبة، كانت المسؤولية تذهب تلقائيا للإبن الأكبر ويصبح إسم العائلة وثروتها ومكانتها مسؤولية الإبن والذي يحتم عليه الزواج من عائلة نبيلة أخرى لضمان المكانة. حسنا، لحد الآن لا جديد، فهذه الثيمة مكررة ورأيناها في مئات الأعمال الفنية من مختلف الثقافات، ولكن المختلف هنا كان كيفية معالجة هذه النقطة وتوظيفها بطريقة وضحت بدايات النسوية، وصراع الواجب مع الحب، والصراع ما بين الانتماء لطبقة فيها الكثير من المميزات وبين النفس الثورية التي تريد التحرر من القيود التي يفرضها هذا الانتماء.

آنثوني، بطل هذا الموسم، رجل من الطبقة النبيلة، له مغامراته النسائية والتي كان المجتمع ذاك الوقت يتسامح معها جدا في حين أن الفتاة كانت إذا رآها أحد مجرد رؤية مع شاب آخر فستوصم للأبد وتصبح مادة للشائعات مالم يصحح الشاب غلطته ويتزوجها. شعور آنثوني بالواجب ناحية أسرته واستعداده للدوس على مشاعره أخذتني في رحلة صعود وهبوط لم أتوقعها. منذ اللحظة الأولى، وآنثوني كان مأخوذا بشقيقة عروسه المنتظرة. وما جذبه إليها لم يكن جمالها كما كانت تصوره لنا الرومانسيات الفارغة، ولكن آنثوني كان يتمتع بالذكاء وحس الفكاهة، وما جذبه للشقيقة كان توقد ذهنها ومقدرتها على مجاراته، وهذا ما حاول جاهدا أن يجده في الفتيات المرشحات للزواج منه. الكيمياء التي كانت بينهما نجح كتاب المسلسل في بناءها بطريقة تجعلك مترقبا طوال الوقت. محاولاتهما لتجاهل هذه المشاعر كان خطا دراميا آخر يأخذك في رحلة أخرى.

الشخصيات الثورية المتمردة، منذ وقت طويل لم أشاهد شخصية ثورية في مسلسل تحب مجتمعها وعائلتها. صحيح أنها تسخر منهم ولكنها داخليا تحبهم. وهذه شخصية إلويز، شقيقة آنثوني. نعم هي مؤمنة بأن المرأة لا يجب أن تعرض كسلعة، نعم هي مثقفة وقارئة وترغب بمن يناقشها ويتحدث معها عن الكتب والمغامرات، ولكنها أيضا ترغب بمن يراها كامرأة جميلة، لديها مشاعر ليس من المفروض أن تكون تافهة ولا قيمة لها لمجرد أن باقي الفتيات (الغير مثقفات) لا هم لهن سواها. شعرت لوهلة بأن إلويز الصغيرة انتصرت لفكرة بأنه نعم، من الممكن أن تكون المرأة مثقفة وقارئة وترغب بمن يعبأ عقلها بثقافته وحديثه الممتع وروحه المرحة، ولكن هذا لا يعني أن لا مشاعر لديها، وليس من المنطقي أن تكون إما أنثى جميلة أو مثقفة.

شخصية بينلوبي، أو ليدي ويسيلدون، فتاة الطبقة النبيلة والتي تتعرض عائلتها لأزمة مالية خانقة تجعلهم يمرون بمنعطف خطير يهدد وجودهم وسط الطبقة. بينلوبي الفتاة زائدة الوزن والتي تحب من بعيد شقيق صديقتها إلويز، وهاهو نفس الشئ يتكرر على مدى العصور، حين تكونين أقل جمالا وتفقدين حتى الفرصة ليرى الآخر جمال روحك وذكاءك وحسك المرح. يا الله، أفهم تماما هذا الشعور، ولكل من يقول بأن الجمال الداخلي أهم، أقول لهم بأن من يرزق بالجمال الخارجي فقد اختصر على نفسه سبعون بالمئة من الجهد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. نظرات الخيبة على وجه بينلوبي، توقد الأمل فيها حين يبدي من تحب (نسيت إسمه) أدنى درجات الاهتمام بها، حين تسمع خلسة سخريته بأنه لا يمكن أن ينظر لها كامرأة، كل هذا قد يفسر لجوؤها لشخصية ليدي ويسلدون، الكاتبة التي كانت تنشر جريدة أسبوعية تحوي فضائح وشائعات الطبقة النبيلة، كان هذا يعطيها شعورا عظيما بالأهمية وبالإنجاز وإن كان باسم مستعار. حقيقة أنا نفسي لا أعلم، هل فعليا شخصية ليدي ويسلدون كانت لأن بينلوبي تشعر بأنها غير مرئية ولا أحد يلاحظ وجودها؟ هل قلمها اللاسع والذي يعبر عن موهبة ما كان ليكون لو أن من تحب بادلها نفس الشعور؟ هذه الشخصية جعلتني أفكر كثيرا ولم أجد تفسرا مريحا لها. هل اكتفاءها كأنثى كان سيحد من مواهبها الأخرى؟ هل يجب على الأنثى أن لا تكون مشبعة عاطفيا حتى تتوقد عمليا وتتميز في الأمور الأخرى؟ أو ليس من المفترض أن الإشباع العاطفي يوقد شعلة الإنجاز؟ هل لأننا نرى حولنا الكثير من النساء العازبات ناجحات ومتوقدات عمليا صرنا لا شعوريا نميل للربط ما بين عدم الاكتفاء العاطفي والنجاح العملي للأنثى؟ أشعر هنا أن هرم ماسلو للاحتياجات كله قد تشقلب في عقلي.

ويا الله كيف امتدت رحلة آنثوني مع حبيبته كيت. كيف استمروا بتجاهل ما يشعرون به من أجل واجبهم تجاه عائلاتهم. قد يبدو ما أكتبه بدائيا كما قلت، ولكنها المعالجة هي التي أحدثت فرقا، وهذا ما يفرق بين الأعمال الجيدة والأعمال العادية. نحن نكرر نفس القصص منذ اختراع السينما والتلفزيون، ولكنها المعالجة والحوار، هي التي تجعل العمل أخاذا ومميزا.

أثر في المسلسل جدا. لدي تحفظات عليه بالطبع وأرجو أن لا تكون هذه التدوينة دعاية له (ماذا تقولين يا هتون؟)، ولكني أحب الأعمال التي تجعلني أفكر وتعطيني عمقا وصورة أخرى للأمور.

تحياتي،

هتون قاضي

%d مدونون معجبون بهذه: