ابني الحبيب،
سأبدأ رسالتي إليك بدايةً غريبة، وأستهلها بسؤال أعلم أنه سيفاجئك.
هل أخبرتك يومًا كم ازداد ولعي بك حين استفقت على حقيقة أن القلب الوحيد الذي أحبني بلا أي شرط أو انتظار قد رحل يوم رحلت أمي؟
لقد عايشت معي مراحل فقدها، وربما تعلم أنني، رغم ما يُظن عني من كثرة الحديث، نادرًا ما أبوح بما يعتمل في داخلي. لكنني بعد رحيلها أدركت يقينًا معنى قلب الأم، وعندها فقط تضاعف حبي لك أضعافًا مضاعفة.
ابني الحبيب،
أحبك دون شروط، وأكذب إن قلت بلا توقعات، ولكن أقسم بمن رفع السماء بلا عمد أنها ليست توقعات قدر ما هي تطلعات لأن أراك في أفضل مكان ومحاطًا بخيرة الناس لا أراذلهم.
وأعدك، وإن شعرت بالفخر بك وأنت ناجح ومتميز، سأتذكر دائمًا أنني كنت أهيئك لتكون فردًا صالحًا لدينك ولمجتمعك، وليس لأحقق لنفسي إنجازًا شخصيًا.
وأن برك بي سيكون، بحول الله، نتيجة لا فرضًا ثقيلًا عليك تفعله فقط لأنك ملزم به، بل سيكون محبة لي ووفاء لكل ما بيننا من عمار.
ابني الغالي،
سمعت عدة مرات عن تلك المرأة التي ستكون جيشك الوحيد حين يتخلى عنك الجميع، وهذه الحورية قد تقابلها في الدنيا ولكن غالبًا هي ليست بشرية.
دع عنك تلك الرومانسيات والتي تهيأ للشخص أن الصبر لا حدود له عند المرأة المحبة، فمهما أخلصت المرأة سيكون هناك رصيد لك عندها، وحين يستنفد، فلا أحد يلومها إن قالت: (نفد صبري).
لكن الأم قصة أخرى أيها الغالي، يا ثمرة الفؤاد وروح القلب.
الأم لا تتخلى ولا تفقد الأمل.
أستطيع بكل ما أوتيت من ثقة أن أقول أن الأم هي الجيش الوحيد، وأسأل الله تعالى أن لا يضع هذا الادعاء موضع الاختبار.
فدعواتي لك دائمًا أن تكون مؤيدًا بقوته تعالى، ومنصورًا، ومنجزًا، وعندك كل أدوات التمكين التي تجعلك في أفضل مكان.
وأعدك أن أكون جيشك الوحيد الموجود فقط لشعور الأمان لا الاحتياج.
وأعدك أيضًا أن من تختارها لتشاركك حياتك ستكون ذات قدر ومنزلة عاليين عندي، فإن أحببتها فهي بلا شك تستحق قلبك، ذاك القلب الذي صنعه الله على عينه، وأعلم أنه يستحق الحب.
ابني الجميل الطيب
أعلم أنه بحكم علاقتنا القريبة تحصل بيننا الخلافات، وأنا لم أسع يومًا أن تكون علاقتنا قائمة على التوجيه من طرف واحد، فالخلافات بالإجمال صحية، ودليل على أن كل طرف له وجهة نظر مختلفة تعكس شخصيته المتفردة.
أعترف أنني أفرح سرًا حين أجدك تظهر طبعًا مشابهًا لي، أو تومئ برأسك حين تتحدث بطريقة اعتدت أنا عليها، ولكني داخليًا أخاطب نفسي بأن تفردك نجاح لي، وشخصيتك المستقلة هي ما ستجعلك، بحول الله وحسن تدبيره، قادرًا على تشكيل آرائك الخاصة.
إلا أنني، وبحكم العلم والخبرة، أعلم أن لا يزال أمامك الكثير، وحين نختلف في أمر أنا واثقة تمامًا أنني أعلم به منك، فسأنصحك وأوجهك.
أعلم يا قرة عيني أن كلام الأم قد يكون ثقيل الوقع لإحساسك بأنني أحاول السيطرة عليك، ولكن أعلم أكثر أن تكرار الكلام، والذي يصدقه العمل، سيؤتي ثماره ولو بعد حين.
هل رأيتني كففت يومًا عن حثك على الصلاة رغم تململك مني؟
هل توقفت عن توجيهك سلوكيًا في طريقة التعامل مع الآخرين رغم نظرات (خلاص يا ماما فهمت) التي كنت ترشقني بها؟
هل مللت يومًا من حثك على الانتباه لدروسك والحرص على أداء واجباتك بحرص وأمانة؟
هل وجدتني توقفت عن توجيهك في كيفية التعامل مع من هم أكبر منك سنًا وكيف تتواصل مع من لهم عليك حق صلة الرحم؟
لم ولن أتوقف عن هذا يا حبيبي، فالتكرار سيجعل كل ما أعلمك إياه يرسخ في عقلك وستستحضره يومًا.
لا أفعل هذا لتقول: (والله ماما كان معاها حق)، ففعليًا هذا ليس هدفي، ولكن ما أتطلع إليه هو أن تكون أنت أفضل نسخة من نفسك، وأن تعتاد على التحسين منها دائمًا.
دقيقة،
لا تخف وتعتقد أنك ستكبر وتصبح رب أسرة وأستمر بتوجيهك كأنك طفل صغير.
أعدك أن لا يحصل ذلك أبدًا، وستكون صورتك أمام الآخرين، بإذن الله، محفوظة من طرفي، وسأتذكر دائمًا أن ذاك الطفل الصغير أضحى رجلًا مسؤولًا ورب أسرة، وسأعطيك المساحة كاملة.
ابني البار
أعلم أنك دائمًا موجود إن احتجتك، ولكن أعدك أن لا تكون وحدتي سببًا للضغط عليك.
فكل ما تراه من محاولات دائمة مني لتعويد نفسي على الوحدة والعيش بارتياح بعد أن تفرد جناحك وتغادر العش،
هي تمهيد لمستقبل أراك فيه في أفضل مكان وإن لم يكن أقرب مكان.
هذه الدنيا واسعة يا ابني، كوسع قلبي الذي يحبك، والفرص فيها لا محدودة، فقط تنتظر من يقتنصها.
وأعدك أن أبارك دائمًا خطواتك، وأن لا أتوقف عن الدعاء لك أن يفتح الله عليك في كل مكان.
ابني…
أحبك دائمًا.
ولو خُيرت ألف مرة، لاخترتك أنت، بكل تفاصيلك، في كل مرة.
وحين فقدت أمي، أدركت كيف يكون قلب الأم.
فإذا جاء يوم وغبت عن دنياك كما غابت هي عن دنياي، فأرجو أن يبقى في قلبك يقين واحد:
أن هناك امرأة أحبَّتك حبًا لم يعرف يومًا مساومة، ولم ينتظر منك مقابلًا، وأنها كانت، وستظل ما دام الدعاء يصل، تدعو الله أن يرضى عنك، ويرضيك، ويمتعني بك ما حييت.
لأنك، يا بني، زينة حياتي في الدنيا، وأسأل الله أن يجمعنا في الآخرة على خير مما اجتمعنا عليه هنا.
هتون