خلاصة RSS

Author Archives: Hatoon

هذه أحبها وتلك أتزوجها

Posted on

أعزائي القراء، كل عام وأنتم بخير، هذه تهنئة متأخرة بشهر الخير الذي أقبل هذا العام في أجواء معتدلة جعلت الصيام أهون وأسهل، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. اختمرت فكرة هذا المقال في مخي أثناء قيادتي للسيارة عائدة من زيارة مستشفى والتي كانت بالمناسبة في وقت متأخر لا زلت غير معتادة عليه رغم وصولنا لليوم الثامن من أيام هذا الشهر، بارك الله لنا في أيامه ولياليه وختمه لنا بخير. المهم أنني ظللت أحاول أن أعلم من أين أتيت بالعنوان، هل هو عنوان رواية للكاتب الراحل إحسان عبد القدوس؟ هل هو فيلم سينمائي؟ هل هو عنوان مقال قرأته سابقا؟ حقيقة لا أعلم، ولكني شعرت بأنه مناسب جدا كعنوان مقال يناقش السؤال الأزلي “هل يحب الرجل المرأة الذكية؟”.

في السابق، كانت معضلة “هذه أحبها وتلك أتزوجها” خاصة بما كان معروفا عن الرجل الشرقي أن قد يحب امرأة ويعشقها ويتدله في حبها، ولكنه حين يقرر الزواج فهو يبحث عن تلك التي لا يعرفها والتي ترشحها له أمه أو إحدى أخواته، وهذا حتى يضمن أنه أول واحد في حياتها وأن تلك التي أحبها وكان بينهم تواصل وعلاقة قبل الزواج غير مؤتمنة على بيته وعياله، وكانت هذه الاكليشة تستخدم دائما لتخويف الفتيات من العلاقات أيا كان نوعها على اعتبار أنه حتى لو وعدها بالزواج فهو حتما حين يقرر الإقدام على هذه الخطوة، سيبحث عن أخرى “قطة مغمضة” يقوم هو بتفتيح عينيها وتعريفها بالحياة. أذكر أنه حين كنا في المدرسة في الثمانينات والتسعينات الميلادية، كانت توزع علينا الكتيبات والأشرطة التي تحكي مآسي فتيات منحن قلوبهن للذئاب البشرية لينتهي بهن الأمر محطمات وقد خسرن سمعتهن وشرفهن، أما الذئب فقام بكل صفاقة بخطبة فتاة أخرى وتزوجها وظلت تلك المسكينة أو “النعجة” التي صدقته تندب حظها حتى اليوم.

كلنا نعلم بأن الزمن تغير، وأن ديناميكية العلاقات تغيرت وتبدلت بشكل كبير، ولم يعد هناك ذئاب ونعاج ولا قطط ولا أسود، بل أصبح هناك بشر عاديوون يتعاطون مع أمور الحياة، كنا ولازلنا مجتمعات متدينة يحكمها الدين والقيم، ولكن تلك اللغة تبدلت تماما، إلا أن معضلة “هذه أحبها وتلك أتزوجها” ظلت ثابتة، ولكن من تلك التي يحبها والأخرى التي قد يتزوجها؟ هذا مرتبط مباشرة بسؤال “هل يحب الرجل المرأة الذكية؟”.

حسنا، أعلم أن الجواب المتداول والمعروف والمعلوك كثيرا هو أن الرجل لا يحب المرأة الذكية وإن ادعى عكس ذلك، وأن الرجل يعتقد بأن هذه المرأة مغرورة وصعبة الإرضاء وقليلة الجاذبية، إلا أن الحقيقة هي خلاف ذلك تماما.

أعزائي، الرجل يعشق المرأة الذكية وتجذبه كالمغناطيس، نعم هذه الحقيقة بالأبحاث والأرقام.

ولكن كيف؟ ماذا عن النظريات التي تقول بأنه يهاب هذه المرأة ويخشى على رجولته منها؟ ماذا عن المقارنات؟

نعم أعزائي، حتى هذا صحيح، فالرجل ينجذب للذكية، فقط عن بعد. في دراسة أجرتها لورا بارك وآخرون سنة ٢٠١٥، درسوا خلالها تأثير المسافة النفسية على انجذاب الرجل للمرأة الذكية، وجدوا أن الجاذبية بين الأشخاص من الممكن تعزيزها من خلال قدر معين من المسافة النفسية، وهذه المسافة تعرف بأنها ” التجربة الذاتية التي يشعر فيها الفرد بأن الهدف (في هذه الحالة المرأة) قريب أو بعيد من الذات”، كما أن للجاذبية أيضا علاقة بمقارنة السمات الشخصية بين الفرد والشخص الآخر.

كون الشخص مصدر الإعجاب يقع ضمن نطاق مسافة نفسية بعيدة نسبيا عنا بطريقة تشعرنا بالأمان على أنفسنا وشعورنا نحو ذواتنا، فمن الممكن جدا أن ننجذب لشخص يحمل صفات قد لا نقبلها أو تشعرنا بالتهديد في حال اقترب الشخص نفسيا منا.

بالمناسبة، هل شعر أحد منا يوما بالغيرة من الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا الراحلة بكل أملاكها ومكانتها ومميزاتها المكتسبة من انتمائها لعائلة ملكية من الأعرق في التاريخ؟ غالبا لا.

على صعيد آخر، كم منا شعر بالغيرة والتهديد من قريب أو صديق أنعم الله عليه برزق أوفر أو شكل أجمل أو ذكاء أعلى؟ إنها المسافة يا إخوان.

إذا، فالرجل فعليا تجذبه الذكية واللماحة والتي قد تكون أكثر ذكاء منه، ولكنه حين يقترب ويكتشف بالمقارنة المباشرة أنها “أذكى”، يقل انجذابه لها، ويبدأ بالتطلع لعلاقة أخرى يشعر فيها برجولته من خلال كونه أذكى وأفضل.

إذا عزيزتي، صدقي الرجل حين يقول بأنه يحب الذكية، لأنه صادق، هو فقط حين يجابه الواقع بأنها قد تكون أفضل منه، يفقد الهدف الأساسي من العلاقة وهو أن يشعر برجولته، ويصبح همه هو إثبات هذه النقطة، وهذا مضن ومتعب. تخيلي أن تكوني على علاقة مع رجل يوصف بأنه أجمل منك ولا يفتأ المجتمع بتذكيرك بذلك بشتى الوسائل؟ سيكون الأمر صعبا مهما كنت واثقة لأن الجمال من المفترض أنه ملعب المرأة، فكيف ينافسك فيه الرجل؟ تخيلي كم المجهود الذي ستبذلينه لتبدين أجمل، تخيلي كمية المنتجات والملابس والاجراءات التجميلية وووووووو، هذا أمر منهك ومتعب ولا يجب أن يكون الارتباط هكذا إنما بالعكس، نحن نرتبط لتصبح حياتنا أفضل وأكثر إشباعا وليس العكس. أعلم أنها نقطة حساسة ولكني فقط استعنت بها لأقرب الصورة، فإن سببت سوء فهم، أبلغوني وسأزيلها وأمحوها كأنها لم تكن.

وصلنا هنا لمعضلة حقيقية، ففعليا تلك الذكية التي يحبها الرجل سيكون صعبا عليه جدا أن يتزوجها لأنه لا يرغب بالتواري خلف جاذبية شخصيتها وكاريزمتها وذكائها، ونعم، هو لن يتوقف عن المقارنة لأن ذكاء المرأة هو تهديد لشعور أصيل يحتاجه الرجل من الارتباط، وهو الشعور بالرجولة، وهذا لا يختلف أبدا عن احتياج المرأة للشعور بأنوثتها مع رجل يحبها ويعجب بها ويعدها بتوفير الأمان والحماية.

إذا عزيزتي المرأة، ماذا تفعلين مع قول الرجل بأنه لا يحب الفارغة البلاستيكية التي لا شخصية لها؟ وأنه يحب تلك التي يتحاور ويتناقش معها ولديها شخصيتها المستقلة والتي تتمتع بدم خفيف ونفسية منفتحة للحياة؟ أقول لك صدقيه. ولكن من الأفضل أن نفهم ما يقصده حتى يرتاح العالم من المعضلات التي لا تنتهي.

مما رأيت وسمعت وشاهدت وقرأت، حين يقول الرجل بأن يحب ذات الشخصية المستقلة فغالبا هو يقصد تلك التي لا تنساق خلف كلام أمها أو أهلها وكأنها طفلة، ولا تنساق خلف الموضات السائدة بلا عقل، ولا تغير رأيها وتناقض كلامها بلا منطق، وهذا بالطبع سيصب في مصلحته ومصلحة حياتهما المشتركة حيث أن هذه المرأة تعرف كيف تحافظ على خصوصية العلاقة، وهذا مطلب ولا يهدد رجولته أبدا.

عزيزتي، حين يقول الرجل بأنه يحب خفيفة الدم، فهنا احذري واحذري واحذري. فلنتفق بأنه لا يوجد رجل يحب المرأة النكدية والسلبية ودائمة التشكي، وإن نفذ لها طلباتها حتى يتخلص من شرها فهو داخليا لا يحب عشرتها ولا الجلوس معها. ولكن ماذا عن تلك التي تخلق الأجواء وتطلق النكات والتعليقات اللماحة بذكاء شديد وتعرف كيفية التعامل مع المواقف الصعبة عن طريق تخفيفها بروح الدعابة؟ احذري، سنعود للفخ الأزلي وتبدأ المقارنات

بالنسبة للرجل (واسمح لي يا آدم أن اتحدث باسمك انتقاما للعقود التي تحدثت فيها باسمنا دون إذن أو حتى استشارة 🙂 )، خفيفة الدم هي من تضحك على نكاته وتقهقه من قلبها فيشعر حينها أنه ليس فقط القائد والذي يقوم بتوفير أسباب الحياة الكريمة بكل ما تشمله، ولكن هذا أيضا يتضمن البرنامج الترفيهي، يا للسعادة. أما أن تكوني أنت مصدر الترفيه؟ أنت هنا أصبحت “خفيفة” وليس خفيفة دم، وسيبتعد ويذهب لتلك التي يضحكها وليس التي تضحكه، لأنه لا يحتاج أبدا للشعور الذي ستشعره به بدون قصد.

حين يقول بأنه يحب التي تحاوره وتناقشه فهذا صحيح، فلا أحد يحب الحديث مع الشخص السلبي أو الذي يكرر كلام الآخرين بلا أي إضافة أو تحليل، والرجل بالذات إذا كان صاحب ثقافة عالية سيحب من تجاريه وتتناقش معه وتحضر معه الفعاليات وتنسجم في عالمه، وتعلم متى تأتي ومتى تغيب وتحترم مساحته وخصوصيته، ولكن، حاولي أن لا تقعي في فخ أن تكوني أوسع ثقافة منه وتصححي معلوماته أو تشعريه أنك أفضل بأي طريقة وإن بدون قصد، سنعود لمربع الصفر.

إذا ما العمل؟ هل هذا يعني أن الذكية اللماحة لا حظ لها مع الرجال؟ هذا صحيح وغير صحيح، قدر المرأة حقيقة أن الصفات التي تعتبر ميزات تنافسية في الرجل مثل الذكاء والنجاح والمكانة الاجتماعية هي نفسها قد تعتبر صفات منفرة في المرأة، وهذا عائد لحقيقة أن المرأة تاريخيا تسعى لأن يكون الشخص الذي سترتبط به “أفضل” وترى في هذا ميزة على اعتبار أن هذا طريق للترقي والصعود الاجتماعي، عكس الرجل تماما والذي يجب أن يكون هو “الأفضل” في العلاقة. ولكن، حتى تكون هناك فرصة، كل ما على الرجل فعله هو تحويل الموضوع من منافسة لتعاون، وأن يقتنع الطرفان بأن التكامل في العلاقة وتقدير الصفات الطيبة في الطرف الآخر تقديرا حقيقيا وإظهار ذلك بصورة أصيلة، كل هذا سيسهم في تخفيف حدة التنافس وستكون هناك فرص للنجاح، أما الابتعاد بمجرد المقارنة، وهو الأمر التلقائي بالمناسبة والذي على إثره توصم النساء ب (شايفة نفسها، محسبة نفسها آخر حبة، كلامها كلام مثقفين وأنا ما أحب كدة…الخ) قد يؤدي لخسارة فرصة علاقة قد تكون رائعة، ولا يعطي فرصة لأن يكتشف الأشخاص في بعضهم صفات مهمة مثل التواضع والتفهم والتعاطف والاحتواء، وعموما، الشخص الذكي الحقيقي هو شخص متواضع في الأساس عكس الشخص المزيف والذي يلجأ للغرور للتغطية على ضحالته، الذكي الأصيل يعلم حدوده ويتفهم الآخرين ويحتويهم، وهذه كلها صفات تحتاج للوقت حتى تظهر ويتم تقديرها.

إذا حتى تكون تلك التي تحبها هي تلك التي ستتزوجها، فقط تحلى بالصبر، خلاف ذلك، فستظل المعضلة قائمة والحياة ستستمر.

ودمتم بخير وسعة،

هتون

٨/٣/٢٠٢٥، ٩/٩/١٤٤٦

للاطلاع على المقال في سايكولوجي توداي:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/why-bad-looks-good/202108/are-men-actually-attracted-to-intelligent-women

وماذا بعد فقد الفريدة؟

Posted on

مر الآن حوالي السنة وأربعة أشهر على رحيل نور عيني. ونعم، الحياة تمضي وتستمر ولا شئ يتوقف، فبعد ذهولي واستغرابي من استمرار الحياة وحركة الكواكب والبيع والشراء والموت والميلاد حين انقضت أيام عزاء فريدتي، بعد شعوري بتجمد الكون لأيام، ورغم أني للحظة لم أنس أن هذه سنة الكون ومصير كل حي، إلا أن الإدراك بعدها بأن الحياة ستستمر ولكن بدون الفريدة كان صفعة قوية جدا، فكيف سيتشكل واقع جديد؟ هل هذا أصلا ممكن؟ هل هذا الواقع سيكون جديدا كليا أم أنه امتداد للواقع القديم ولكن بدونها؟ كم هذا الأمر معقد وعصي على الفهم.

إلا أن سنن الله نافدة، وما نظنه مستحيلا يتشكل تلقائيا بسلاسة ليذكرنا بأن الحياة ستستمر طالما لم يأمر رب الأرباب وملك الأكوان عبده إسرافيل بالنفخ في الصور، ولو كان للكون أن يتوقف ويتجمد لموت أحد، لتوقف لترقي حبيبه رسول الله ونبيه سيد الأكوان محمد ابن عبد الله للرفيق الأعلى، ولكنه تعالى خلق الموت والحياة متلازمان، ولا تستقيم هذه الحياة بدونهما، فالبقاء غريزة لتعمير الكون، والموت قدر محتوم نتقبله ونصبر عليه ولا يد لنا فيه بتاتا ويأتي حين ينتهي دور الكائن الحي في دورة الحياة. منظومة منطقية جدا ومستمرة منذ ملايين السنين، ولكن على قدر فرحنا بالميلاد، على قدر لوعتنا من الفراق، وكأنه قدر لا مفر منه للإنسان أن يقاسي هذا الألم وهذه اللوعة تمهيدا للقاء أحبته عند مستقر رحمته.

رحلة التعايش مع فراق الفريدة هي رحلة اكتشاف، ولازلت كل يوم اكتشف شيئا جديدا تشكل في نفسي بعد فراقها، ولازلت أحاول أن أفهم ماذا يعني أن يفقد الشخص أمه. لطالما تندرت على الأشخاص الذين يتسمون بالاستحقاق العالي والذين يطالبون بكل وقاحة أن يحبهم الناس كما هم دون أي تغيير أو تعديل مهما كانت شخصياتهم سيئة وطباعهم غير محتملة، وأقولها (هذه وظيفة الأم تحب عيالها وهما فيهم كل بلاوي الدنيا، لكن غير كدة، معليش محد مجبر). وماتت أمي، نعم ماتت الإنسانة الوحيدة التي كانت تحبني رغم عدم استحقاقي للحب، ماتت الوحيدة التي لم أحتج يوما لأبذل مجهودا حتى أكون عندها أثيرة ومستحقة لدعوات تنثرها علي وعلى أولادي خلال صلواتها التي لم تكن تنتهي.

وتلك صفعة أخرى بعد صفعة إدراك استمرارية الحياة بعد الفراق. من الآن فصاعدا، لا يوجد دعوات في جوف الليل من الفريدة، لن يأتيني ذاك الاتصال منها فقط لتطمئن ما إذا كنت بخير، ماتت الوحيدة التي كانت تشعر بي دون أن اتكلف عناء الحديث، ويعلم الله كم هو ثقيل علي الحديث، أصلا ما جدوى أن نكون بخير؟ طالما أن الحياة مستمرة ونحن ندور في عجلتها وننتج دون توقف، فسؤال (هل أنت بخير؟) لا معنى له، ولا معنى أصلا لافتقاد السؤال أو التوقع أنها مهمة أحد أن يطمئن علينا، أصلا كونها (مهمة) عند أحد معناها أن يتكلف العناء ليقوم بها، وبعد أمي، لا توقعات بتاتا، ولا أرغب أصلا بأن يتكبد أحد أي عناء من أجلي، فكلنا مشغولون ولدينا ما يكفينا، ولولا قلوب الأمهات لكانت هذه الدينا عصية على الاحتمال، وقدر من فقد هذا القلب أن يحمد الله أن استمتع به خلال حياته، وليس بعد الرحيل سوى التصبر وانتظار اللقاء عند مستقر رحمته بإذن الله.

فرودتي، اشتقت لك، كلنا بخير ودعك من ترهاتي وكلامي الذي أقوله، لا أريدك أن تحزني، أعلم أنك في مكانك الجميل البارد تنظرين لنا ويسؤوك إن لم نكن بخير، وإن شعرت بالخواء والوحدة وانعدام الجدوى الآن فكل ما علي هو أن اتذكرك واستحضر روحك المتوهجة التي لم تعرف اليأس والقنوت يوما، تلك الروح التي قاومت ولم تستسلم يوما، تلك التي عاشت جمية وماتت أجمل، تلك التي سيرتها العبقة لازالت حديث المجالس، حضورك كان فاخرا باذخا ورحيلك كذلك، وهل مثلك ينسى أو يغيب؟

اللهم اطو عني بعد حبيبتي واجمعني بها عند مستقر رحمتك في جنة لا وصب فيها ولا نصب.

هتون

الخميس ٦/٢/٢٠٢٥