خلاصة RSS

Category Archives: المقالات

مقاسك كبيييييييييييييير

Posted on

حصلت هذه القصة لي قبل عدة أعوام، تحديدا عام ٢٠١٤ حين كنت لازلت في معمعة دراسة الدكتوراة، وبعد أشهر قليلة من انتهاء زواجي والذي استمر ١٣ سنة. لكم أن تتخيلوا وضع النفسية ذاك الوقت، لقد كنت في حالة كئيبة حزينة لا تشبهني إطلاقا لدرجة أنني أنا نفسي مللت من نفسي. صدف وقتها أن جاءت شقيقتي لقضاء الصيف معنا في بريطانيا. وللحق فقد ساهمت زيارتها لحد كبير في التخفيف من آثار الكائن الكئيب الذي كنته وقتها، وبدأت أستعيد مرحي وإقبالي على الحياة. للحق أيضا، الدراما لا تليق بي فقد كنت أبحث عن أسباب لإنهاء تلك الحالة ووجدت في مجئ شقيقتي ضالتي حيث انشغلت بترتيب الرحلة وحجز الأماكن مع استمرارية عملي في مطحنة الدكتوراة والكتابة ومقابلات المشرف. وفي خضم كل هذا، أتاني وقتها اتصال من قناة MBC بدعوة استضافة في برنامج “كلام نواعم” والذي يتم تصويره في استديوهات القناة في بيروت. يا لسعادتك يا هتون. ها قد اكتملت أركان خطة علاجك من حالة الحزن والكآبة التي رافقتك منذ بداية هذا العام. ستذهبين لبيروت وسيتم استقبالك استقبال الفاتحين. تخيلت لحظة وصولي للمطار وكيف سيقابلني اللبنانيون والمعروفون بلسانهم المعسول، فهذا سيقول لك “هلا ست هاتون، نورتي الدني” والآخر سيحمل حقيبتي ويقول “ولو عنك ست هاتون، ما تعزبي حالك” والآخر سيقول “تكرم عينك ستنا”. نعم نعم نعم، هذا ما أحتاجه الآن، كلام لطيف عذب ظريف، وإن صحبه غزل خفيف تسمح به حالتي الحديثة كإمرأة عزباء في عز شبابها ولكنها في نفس الوقت مكية عتيدة فلا بأس بالطبع، فما الضير من بعض “عيونك كتير حلوين ماشاء الله حولك” أو “كثير مهضومة اسم الله عليك، وحلوة كمان؟” المهم أنني سأذهب لبيروت وستكرم عيني وسيكون هناك من يتمنى بأن “أقبر قلبه”، يا للسعادة.

جهزت حقيبتي واخترت ثلاثة أطقم مختلفة للمقابلة. رغبت بأن يكون لدي عدة خيارات فملأت الحقيبة بالملابس والأحذية والحجابات بطريقة يخيل لحامل الحقيبة أنني أتيت لأقضي عدة أشهر في بلد الأرز حيث تكرم العيون وليس ٢٤ ساعة لإجراء مقابلة. المهم أن شعاري وقتها كان “خدي كل شي معاكي، يمكن تخرجي بعد المقابلة مع المذيعات، طيب يمكن تتعزمي عزومة مكلفة، هيا خدي كل شي”، وفعلا لم أدع مجالا لأي شك ولم أترك شيئا احتمال أن احتياجي له قد لا يتجاوز الصفر في المئة إلا وأخذته.

ذهبت للمطار وركبت الطائرة وقضيت الساعات الست في خيالات لذيذة عن بيروت وجمال بيروت وعن ماذا سأفعل في المقابلة وكيف ستكون. كانت تلك بالطبع أول زيارة لي لستديوهات MBC في بيروت وأول زيارة لي للبنان، قبل أن أتعاقد معهم بعد ذلك بسنتين على تقديم فقرة ثابتة في البرنامج.

المهم وصلت مطار بيروت ونزلت من الطائرة وتجاوزت منطقة الجوازات والتي لم تكن التجربة فيها سلسة. كان الطابور طويلا جدا والتقسيمات عجيبة. فهذا طابور للبنانيين، وذاك للمهجرين، والآخر للمهجرين الداخلين بجوازات لبنانية، وآخر لحاملي التأشيرات، كل هذا في قاعة صغيرة. جاء دوري وناولت جوازي لموظف المطار وابتسمت له ابتسامة الشخص المقبل على الحياة. لم ير ابتسامتي لأنه كان منغمسا في عمله، ختم جوازي وأعطاني إياه ونادى على المسافر التالي. ماهذا يا هتون؟ أين “نورتي الدني ست هاتون”؟ حسنا لا تبالغي، هو موظف متعب ووراءه خدمة الكثير من المسافرين. فقط تجاوزي هذه النقطة وخذي حقيبتك ولك البشرى. ذهبت لاستلام الحقيبة، ووقفت مع الواقفين انتظر.

وانتظرت،

،انتظرت،

وانتظرت ولا أثر للحقيبة.

أتعرفون تلك اللحظة في المطارات حين ينفض من حولك كل المسافرين جارين حقائبهم وتظل هناك حقيبتين أو ثلاثة تمران أمامك وأنت في كل مرة تتمنى أن تتبدل بقدرة قادر وتصبح واحدة منهما هي حقيبتك المنتظرة؟ كان هذا وضعي. مرت أكثر من نصف ساعة ولا أثر للحقيبة. يا ويلك يا هتون. لقد فقدت حقيبتك. ماذا عن أرتال الملابس داخلها؟ هل الحقيبة ضائعة هنا في بيروت أم لم تركب الطائرة معي من الأساس؟ دار عقلي وقتها ونسيت إكرام العين وقبر القلب وأصبح تركيزي كله منصبا على الحقيبة الضائعة. بدأت محاولات البحث عن مكان الاستفسار عن الحقائب الضائعة، ذهبت هناك واستقبلني الموظف

“اتفضلي حجة، بدك تسألي عن شي؟”.

فجأة نسيت الحقيبة الضائعة ونسيت كلام نواعم ونسيت كل شئ، هل ناداني الموظف “حجة”؟ ماذا؟ أنا الشابة الغندورة العزباء حديثا “حجة”؟ ماهذا الهراء؟ كيف يجرؤ؟ كيف أتصرف الآن وأرد الإهانة؟ وجدت نفسي أرد بهدوء

” أنا إسمي هتون، شنطتي ضاعت وأبغى أعرف فينها لو سمحت وضروري أعرف الآن، أنا جالسة فقط ٢٤ ساعة وأحتاج الشنطة فورا”

نظر إلي بتفهم “ايه حجة هلأ راح شوف لإلك وين ممكن تكون”. يا للهول، هو مصر على “حجة”، ولكن لماذا؟ مالذي فعلته حتى أكون تلك “الحجة”؟ هل فعلا أبدو كحجة؟وحتى يفهمني من يقرأ ويستوعب لماذا أنا مصدومة، في ثقافتي المكية “حجة” تطلق على المرأة العجوز، وأنا هنا لست عجوزا أبدا. 

بعد عناء البحث والمحاولات، أبلغني الموظف بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها قد تصل في الرحلة القادمة بعد حوالي ٦ ساعات. يا الله ست ساعات؟ هذا معناه أنني سأذهب للفندق دون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. يا الله ولكن مهلا، لعلها ستصل بعد ساعات وسيكون هناك إكرام عين وستنا هاتون وسأصور البرنامج بالطقم الذي أرغبه والحياة جميلة وحلوة. وماذا عن ما ناداكي حجة؟ لا مشكلة يا هتون، لعله صغير ولا يفهم في هذه الأمور. الوقت الآن متأخر جدا والسائق ينتظرني بالخارج، فلأذهب للفندق وكما يقولون، شمس تطلع خبر يبان.

خرجت للصالة الخارجية وبحثت عن إسمي والذي من المفترض أن يكون مكتوبا على لوحة يحملها السائق، وجدت لوحة مكتوبا عليها “هاتون الكادي”، حسنا لا بد أنها أنا، صحيح أنني “هتون قاضي” ولكن لا مشكلة المهم أن هناك سائقا وسيارة. استقبلني السائق بحفاوة “أهلا وسهلا حجة، الحمد لله على السلامة، نورتي بيروت”

يا الله ما هذا الهراء الذي يحصل معي؟ نعم كنت منتظرة لأن أنور بيروت ولكن ليس كحجة، لا لا لا أنا لا أقبل هذا. من الذي سلطهم علي بهذه الطريقة؟ هل هناك تعميم رسمي علي “حين تصل هتون لبيروت فلينادها الجميع حجة، هذا أمر”. 

ركبت السيارة وقطعت الطريق من المطار للفندق وأنا أفكر في الحقيبة الضائعة وفي وضعي الحالي كحجة.

وصلت الفندق وتدبرت أمري بدون ملابس ولا أدوات شخصية ولا أي شئ. نمت قليلا واستيقظت لأذهب للمطار. حاولت الاتصال بالأمانات في المطار عدة مرات للتأكد من وصول الحقيبة قبل أن أتكبد عناء الذهاب ولكن لم أفلح. نزلت للبهو وطلبت سيارة أجرة، ركبتها والتفت لي السائق “أهلا وسهلا حجة، وين بدك تروحي؟بوديكي تكرم عينك”. امتلأت أعماقي باليأس. فهأنذا في عاصمة الكلام المعسول بيروت، استقبل كلام طيبا مشفوعا بحجة وحقيبتي ضائعة، أصبحت فعليا مثل العندليب الأسمر في أغنية “فاتت جنبنا” حين وصف اضطرابه بجملة “فرحان عايز أضحك، مهموم عايز أبكي”.

وصلت المطار وبدأت محاولاتي البائسة بإيجاد حقيبتي، أو على الأقل لأعرف مصيرها. علمت بعد جهود جهيدة وبعد التنقل بين عدة مكاتب أمنية بأن الحقيبة لازالت في مانشستر وأنها ستغادر في الرحل القادمة.

وانقلبت محاولات إيجاد الحقيبة لمحاولات إبقاءها في مانشستر لاستلمها من المطار حال عودتي، وأصبح علي أن أواجه الحقيقة المرة، أنت يا هتون بلا ملابس للمقابلة.

ماذا عساي أن أفعل الآن؟ ماذا أرتدي؟ الساعة الآن الواحدة ظهرا وموعدي للتصوير الخامسة عصرا، هل هناك وقت لتدبير أمر الملابس؟ هل سأجد أصلا شيئا مناسبا؟ أنا شخص أكره التسوق وتصيبني متلازمة غريبة في السوق. أنا أنزل السوق بكامل قواي العقلية لأشتري شيئا أحتاجه، وفجأة داخل السوق أصاب بصداع وتغبيش في الرؤية ووقتها تتشابه في نظري كل الملابس والمعروضات وأراها مع كثرتها تحاول الهجوم علي فأمسك بتلابيبي وأسرع لأقرب مقهى وأجلس لألتقط أنفاسي وأشرب كوبا من القهوة، وغالبا بعدها أعود للمنزل. كيف لي أن أتسوق في مدينة لا أعرفها؟ كيف سأضمن أن لا تهاجمني المتلازمة قبل أن أجد شيئا مناسبا؟ يا رب العون والمدد من عندك.

خرجت من المطار مع سائق الأجرة، والذي رغم مناداته لي بحجة إلا أنه كان طيبا وأصر ألا يتركني حتى يعيدني للفندق. سألته في السيارة عن مركز تسوق مناسب، أجاب بلا تردد “هلأ بوديكي عشارع الحمرا، كثير حلو وبتلاقي كل شي فيه”.

لم أحاول أبدا التأكد من أهلية شارع الحمرا للتسوق. فأنا في وضع غريب. حجة حقيبتها ضائعة ولديها مقابلة تلفزيونية في بلد تزوره لأول مرة، كيف لي أن أفكر أو أتأكد من شارع الحمرا؟ المهم قادني السائق وأوصلني لشارع الحمرا، وأنا في السيارة صرت أتطلع يمينا ويسارا على المحلات. لم يرتح قلبي للمحلات. أغلبها صغيرة بمانيكانات يرتدين باروكات ملونة ويلبسن ملابس تنتمي للثمانينات الميلادية. مررت أيضا ببعض المحلات الحديثة ولكن غالبيتها للملابس الكاجوال والتي لن تليق بالمقابلة بأي حال من الأحوال. أنزلني السائق في الشارع وأرشدني لطريق العودة للفندق. وقفت في وسط الشارع ورأسي يدور. من أين أبدأ؟ لماذا لم أحجز طائرة وأعود لمانشستر واعتذر عن المقابلة؟ ماذا أفعل إن لم أجد ملابس؟ أصبحت أمشي في الشارع وأتلفت يمنة ويسرة، فجأة وجدت محلا لنوعية ملابس لا يستغني عنها أحد (بدون تفاصيل كثيرة)، وتذكرت أنني يجب أن أشتري ما أحتاجه منها، وملابس اللقاء ستتدبر، فلنضمن شيئا على الأقل. على واجهة المحل كانت هناك ملصقات لماركات مشهورة لهذه النوعية من الملابس، مما زاد من رغبتي بدخول المحل والذي كان يبدو صغيرا من الخارج ولتدخله فعليك بالمرور من ممر ضيق وتنزل عدة درجات وبعدها تقتح الباب وتدخل المحل. دخلت للمحل ووجدت أمامي دواليب مرصوصة ببضاعة مرتبة ومصفوفة بعناية، هذه الطريقة في العرض كانت سائدة في الماضي ويتحتم عليك إذا أردت معاينة قطعة أن تطلب من البائع/ة أن يريك إياها بطريقة يخيل لك فيها أنك تشتري ذهبا وليس قطع ملابس يومية.

في وسط المحل كانت هناك سيدتان من الواضح أنهما شقيقتان، كانت الصغرى منهم تبلغ المئة من عمرها والأخرى مئة وخمسة على أقرب تقدير. شعرت بأنني في محل كيوت تديره سيدتان وكالعادة دخلت تسبقني ابتسامتي (نعم أبتسم حتى في السوق قبل أن تهاجمني المتلازمة وأهرب)، وفجأة عاجلتني إحدى الأختين (أهلا وسهلا فيك، شو بدك؟ بدك ثياب من عندنا؟ أكيد بدك، مقاسك؟ أكيد مقاسك كبيييير، اتطمني ما تعتلي هم، عندي).

ماذا؟

الحجة ذات المقاس الكبييييييييير

ماذا قالت هذه السيدة للتو؟

هل نعتت مقاسي بالكبير؟ هي حتى لم تسألني عن مقاسي وقفزت للنتيجة من نظرة سريعة أشك في دقتها، ثم ماذا تقصد بالمقاس الكبييييييير؟ يا الله ماذا أفعل الآن؟ أنا في بيروت الآن حجة مقاسها كبييييير.

وأنا في خضم أفكاري وجدتها تقودني لأحد الدواليب وتخرج ملابس كبيرة جدا وتمسكها بطريقة مضحكة لتبين لي مدى كبرها وتقول لي “شوفي هيدا، أكيد مقاسك، هيدا أكبر شي عندي”، هززت رأسي دون أن أتكلم والتفت لأنظر لدولاب آخر من المعروضات، وجدتها فجأة تصرخ “لأ لأ لأ ما تتطلعي هون مافي مقاسك كله هون صغير، إنت مقاسك كبيييير اتطلعي بس هون”

قاتلك الله من امرأة. ما أدراكي لعلي أرغب بشراء هدية. ربما أنا شخص يهوى تجميع الملابس ذات المقاس الصغير؟ ما دخلك أنت في ما تراه عيناي؟ 

والغريب في كل هذا أن شقيقتها (على افتراض أنها شقيقتها) لم تتكلم و لم تقل لها “عيب هيك، المخلوقة بدها تشتري، أعطيها المقاس اللي بتقولك عليه بلا غلاظة وقلة تقدير”،ولكنها التزمت تماما بالصمت. هل تراها كانت متواطئة معها؟ هل التعميم بأن أنادى حجة في بيروت أتبعه تعميم بأن يتم نعت مقاسي بالكبييييير حتى تكتمل أركان تعاستي؟ مالذي يحدث لي هنا؟ أخرجوني من هذا البلد ذي المقاس الصغير.

حقيقة لا أعرف لماذا لم أخرج. استمريت معها. أخرجت لي قطع ملابس ديناصورية الحجم، أخبرتها بأن هذا ليس مقاسي وأن مقاسي الحقيقي لهذا النوع من الملابس هو كذا. تطلعت في وجهي باستغراب وعاجلتني “لأ لأ لأ هيدا منو مقاسك هيدا مقاس صغير، إنت مقاسك كبيييييير”. يا الله ما هذا التسلط؟ يا امرأة هذا جسدي، ماذا أقول لك؟ هل أبرر لك بأن لدي كثرة إنتاج وسوء توزيع؟ هل أخبرك بتاريخي العائلي وأرقام وزني ومستوى العضلات والدهون في الجسم؟ حسبي الله عليك من امرأة. ألا تعين بأن مقابلتك لخالقك اقتربت؟ ماذا ستقولين لله؟ هل ستقولين له “سامحني يا الله. جاءتني امرأة تحلم ب “تكرم عينك” وقلت لها “مقاااااسك كبيييييير” وكسرت خاطرها فاغفر لي يا الله؟”. شخصيا أنا سأخبر الله بكل شئ.

لا أدري كيف اخترت الملابس وكيف أكملت عملية الشراء. دفعت الحساب وهممت بالخروج، ابتسمت لي وقتها وقالت “انت أكيد عندك ولاد، أكيد ولادك كبار، بس ماشاء الله عليك مهضومة”

ماشاء الله عليك يا هتون، الآن أصبحت حجة مقاسك كبير وعجوز، ماذا بقي يا بيروت؟ هل أتمسك بكلمة “مهضومة” وأتغاضى عن الباقي بدعوى التفاؤل ورؤية الجزء الممتلئ من الكأس؟ حسبي الله ونعم الوكيل.

خرجت من المحل وأنا لا أرى ما حولي. قررت فجأة أن أجري المقابلة بملابسي التي أتيت بها من مانشستر وأن أحكي عن ضياع الحقيبة في بداية المقابلة. أجريت المقابلة والتي كانت ممتازة جدا وعدت أدراجي لمانشستر كحجة مقاسها كبير وبدون أن يتمنى أحد أن أقبر قلبه ولا حتى كذبا. وعلمت لاحقا أن مناداتي بحجة كانت لأنني أرتدي الحجاب.

المهم أنني بعدها قررت خفض سقف توقعاتي للصفر،

ومن أي شئ.

تحياتي،

هتون التي مقاسها كان كبيييييير

سنة أولى أونلاين

Posted on

اليوم هو أول يوم للفصول الافتراضية. بدأت مع الشباب من اليوم السابق بديباجة نصح وإرشاد شعرت معها بأنني الشيخ الناصح الذي كانوا يجلبونه لنا في المدرسة في التسعينات الميلادية ليرهبنا وأحيانا ليرغبنا. رغبتهم بالتعليم على اعتبار أنهم جيل مسؤول وعليهم أن يستفيدوا من المتاح لهم من الفرص في هذا الوقت الصعب، ورهبتهم بأن عدم التزامهم معناه أن التاريخ سيكتب عنهم بأنهم مهملون ولم يكونوا كما يقولون (كفو). حسنا، لأكون جد صريحة معكم، كان جزءا كبيرا من رغبتي بأن يلتزموا بالدروس هو حسرتي على القسط المدرسي الذي دفعته قبل الأزمة بشهر، وهو لعمرك قسط دسم سمين ثقيل على النفس دفعته وأنا أردد لنفسي كالببغاء (التعليم استثمار التعليم التعليم استثمار)، والآن أريد أن أقطف ثمار استثماري ولو على هيئة دروس تعطى عن بعد يحضرونها بالبيجاما وهم مستلقون على .أسرتهم، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله، وعليه العوض ومنه العوض

في اليوم التالي، دخلت غرفة الأولاد الساعة ٨:٥٠ دقيقة صباحا لأبدأ ماراثون إيقاظهم لأخذ الحصص الافتراضية، وحين يكون لديك شابين أحدهما في السادسة عشر والآخر في الرابعة عشر فهذه المهمة ليست بالسهلة بتاتا، بل هي مليئة بالتحديات

“ولللللد بسرعة قوم الحصة حتبدأ” 

“ماما طيب خلاص دحين أقوم” 

“وللللللد الأستاذ حيدخل وما يلاقيكم موجودين أيش يقول عليكم” 

أقوم بالتوجه للستارة لفتحها فيعاجلني أحمد ذي السادسة عشر “ماماااااااا لو سمحتي ما تفتحي الستارة، أهو قمنا”

يقول الجملة وعيناه مازالتا مخضبتين بكل بقايا النوم الممكنة في محاولة بائسة منه لأن أصدق بأنه فعليا مستيقظ. أنظر له بتهديد ووعيد وأتوجه للستارة وأفتحها على مصراعيها في حركة أمهات معروفة. يغطي أحمد وأواب وجوههما بالغطاء فأتوجه لاستخدام سلاحي الآخر. أقترب من زر جهاز التكييف وأقوم بإطفائه بهدوء يسبق عاصفة (مامااااااا ليييييش ليييييييش تطفي المكيف؟؟ حنصحى والله حنصحى) (مامااااا والله مو حلوة حركات الأمهات هذه، طيب حنصحى وحناخد الحصة في الغرفة، لازم يعني تطفي المكيف) أتوجه لأسرتهم وأبدأ محاولات سحبهم من السرير والتي أعرف مسبقا بأنها مهمة مستحيلة مع شباب يفوقونني حجما ماشاء الله، ولكني أستمر في المحاولات حتى أراهم أمامي يتسحبون لغسل وجوههم وأسنانهم استعدادا للجلوس أمام جهاز الحاسب الآلي لبدء الحصة.

أدخل أنا المطبخ لأعد قهوتي وأعد للأولاد الفسحة. أجد نفسي قد قضيت وقتا أطول من المعتاد في المطبخ. فحتى أعد الفسحة فأنا أتفنن في الساندوتشات وكأنني أعدها للدوق أحمد واللورد أواب، وكأن ما نحن فيه حاليا ليس عزلا صحيا لمقاومة انتشار فيروس غريب مسمى بالكورونا، إنما هذه حياتنا الطبيعية كعائلة إقطاعية ارستقراطية تدرس أولادها في المنزل على يد أشهر المعلمين. وما أنا سوى الكونتيسة هتون الثانية أتنازل وأدخل المطبخ من باب التسلية في حين لدي جحافل من الخدم رهن إشارتي. ما علينا، أعد الساندوتشات وأضعها في حماصة الخبز حتى تتحمر وأستمتع بصوت السكينة وهي تقطعها معلنة قرمشتها المسيلة للعاب، أعد لهم بعض الخضار من جزر وخيار في محاولة يائسة مني لأجعل غذائهم صحيا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لطعام مريح دسم مليء بالسعرات الحرارية ويملأ العين قبل الفم. أزين لهم الأطباق، أدخل غرفهم لأتأكد أولا من أنهم يحضرون الحصة. أجد أحمد يعبث بجواله وحين يراني يرميه بحركة مفضوحة ويدعي التركيز، أقرر أن أتغاضى وأعطيه نظرة أمهاتية تشجيعية مفادها (أنتم جيل المستقبل إلى الأمام إلى الأمام). ثم أتوجه لأواب لأجده متبطحا على السرير ويحضر الحصة وهو مستلق براحة وقد وضع جهاز الحاسب المحمول فوق مخدة حتى يكون مرتاحا جدا. أجز على أسناني بغيظ وانظر له نظرة (ولد عيب عليك، أحد يحضر حصة وهوا متبطح؟؟مافي جدية؟ مافي دم وذوق؟) فينظر لي نظرة (ماما اشبك؟ مو المهم إني بأحضر؟) فأضع له الفسحة فوق المكتب محذرة إياه من الأكل فوق السرير وإلا فليبشر بالنمل متوسدا مخدته ليلا حين ينام.

أخرج من غرفتهم وأتوجه لغرفة جلوسي لأجلس على كنبتي المفضلة وقد أعددت قهوتي. دائما عندي طقوس للقهوة وهذه الطقوس زادت وأصبحت أشياء مقدسة وقت العزل المنزلي. فأنا أعد القهوة وأختار كوبا مطابق الألوان بهدوء وروية ثم أتوجه لكنبتي وأجلس لشرب القهوة مع تكملة لرواية أو حلقة من مسلسل نتفليكسي كنت قد بدأته. وأنظر أمامي لجهاز اللابتوب وأقول لنفسي (خلصي القهوة وهذه الحلقة وأبدأي على طول في كتابة حلقة المسلسل اللي بتكتبوه الآن ولازم يتسلم لشركة الإنتاج). تنتهي حلقة المسلسل النتفليكسي وأنتهي من شرب القهوة لأتذكر بأنني لم أفطر. أحزن على نفسي أن تركتها كل هذا الوقت بدون إفطار فأتوجه للمطبخ وأحمص بعض الخبز وأخرج قطعة جبنة بيضاء أضعها في الطبق، أرش عليها بعض الزعتر ثم أزينها برشة زيت زيتون مع القليل من دبس الرمان، أخلطهم جيدا وأضع الخبز الذهبي مع خلطة الجبن في صينية وأذهب لغرفة الجلوس وأجلس على الكنبة وأشغل حلقة أخرى من المسلسل النتفليكسي وأقنع نفسي بأن الإنسان يجب أن يستمتع بطعامه قبل أن يعمل بجدية. عند هذا الوقت تكون الساعة قد تجاوزت الحادية عشر والنصف، أذهب للأولاد لأتأكد من أنهم لا زالوا يدرسون ولأقوم بالقبض على المتسلل منهم، وأبدأ بالتخطيط للغداء. بالنسبة لي، وجبة الغداء هي أحد وسائلي لدفع عجلة التنمية، فقدر الملوخية الذي أصنعه يعتبر أحد وسائل الصمود والمقاومة والتحدي، وكلما زاد الثوم في (التقلية) كلما زاد الإبداع وزاد فخري بهذا القدر العظيم الذي لم يخلق مثله في البلاد، يا لحظ أبنائي بي.  ينتهي اليوم الدراسي المنزلي الساعة ٢:١٥ وبعد أن أكون قد سألتهم (صليتوا الظهر؟) مئات المرات، بعدها بقليل نجد أن العصر قد شارف على الآذان ونحن قد فقدنا الإحساس بالوقت بعد توقف صلاة الجماعة في المساجد كأحد الإجراءات الاحترازية لمحاولة احتواء فيروس كورونا. أتذكرون حين كنا نوقت حياتنا بابتداء وانتهاء الصلوات؟ قد لا يكون مر على توقف صلاة الجماعة في المساجد أسبوعا من الآن، ولكن مهلا، أحقا أنا لم أخرج من البيت طوال هذا الوقت؟ يا رباه سأنسى كيف تلبس العباءة.

ذكروني عن ماذا كنت أكتب؟ عن العزلة؟ حقا؟