خلاصة RSS

Category Archives: الفريدة

لم أتخيل يوما أن أرثي أمي، لم أكن أصلا أعلم أن الكتابة عن الفريدة ستصبح روتينا وأن إحياء ذكراها سيصبح سلوى أتصبر بها على لوعة الفراق، رحمك الله يا سيدة قلبي، يا ألوان الحياة، يا نورا سطع وأفل وسيظل انعكاسه يظللنا ما حيينا

أيامنا بعد الفريدة

ترقت فريدتي لدار الحق قبل تسعة أيام. وحقيقة، للآن لم استوعب تماما معنى أنها كانت هناك ملئ العين وفجأة أصبحت ذكرى. كنت دائما أسمع عن هذا الفراغ ولطالما قلت لنفسي بأنني شخص قادر على التعاطف ومحاكاة مشاعر الآخرين، لكن هذا مختلف، لم أكن أعلم أو اتصور أو أتخيل ماذا يعني أن يكون أحد أهم الأشخاص في حياتك، شخص لم يمهلك أو يحذرك قبل رحيله، فجأة يصبح ذكرى.

أعلم أن الموت والحياة متلازمان. نعم، أفهم تماما هذه الفلسفة، وعندي إيمان ويقين عميقين بأن هذه نهاية كل حي عداه سبحانه، وأنها سنة الكون، موت وحياة، والبشرى للصابرين. ولكن، هل اعتيادية الموت وكونه سنة كونية يقلل من هول مصابه؟ هل لأن تجربة الفقد تجربة مشتركة بين كل البشرية ولا يكاد أحد نعرفه أو لا نعرفه إلا وقد مر بها، هل هذا سيقلل من هولها؟ ألا نفرح لميلاد كل طفل جديد في العائلة؟ أو ليست تجربة الميلاد أيضا اعتيادية؟ لماذا اعتيادية الأمر لا يصاحبه اعتيادية في الشعور؟ حكمتك يا الله أن جعلت مصيبة الموت كما أسميتها في كتابك العزيز من أكثر التجارب الإنسانية قوة في المشاعر. تشعر فيها أن قلبك سيتمزق، وأن هذا الفراغ الذي تركه حبيبك لن يملأه شئ، وهي حقيقة وليست مجرد شعور. ولطالما تسائلت، بما أننا مملوكون له تعالى، أو لم يكن من الممكن أن يكون الموت شيئا عاديا لا يصحبه كل هذا الألم؟ كل الفقد يصحبه ولع وألم مهما كان نوعه، هل لأننا مجبولون كبشر على حب التملك؟ هل من الممكن أن تكون التجربة أقل ألما إذا فكرنا بها بطريقة مختلفة؟ لا أظن، لعلها حكمة الله أن نصبر ونؤجر ونتذكر أيامه سبحانه ونسلم أكثر بمحدودية وقتنا في هذه الدنيا، فيا لجمال إنا لله وإنا إليه راجعون، ففيها اختصار لسر ومعنى الحياة، كلنا منه، وله تعالى نعود.

ماذا عن صندوق الذكريات الفريد الذي خلفته الفريدة؟ أيام ومواقف وأحاديث وصور. أشخاص مرت بهم بخفة ورشاقة ولكن تركت أثرها فيهم بنعومة شديدة وهدوء أشد. ماذا عن من شكلتهم وصنعتهم؟ نحن بناتها وإبنها. أتذكر كيف كنت فترة مراهقتي (ونعم، كنت مراهقة بغيضة أكاد أجزم بأنني لو كنت ابنتي لعرضتني للتبني) عنيفة عالية الصوت وأحاول فرض سيطرتي على إخوتي، وكانت فريدتي تحار كيف تتعامل معي، لم تكن تعلم بأن كل ما كنت أحتاجه منها هو لفت انتباهها. لطالما نظرت لها كشئ جميل وبهي لا أستحق أن أنتمي إليه، لطالما بهرني جمالها وبهاءها ولم أكن أجد طريقة للفت انتباهها ولو لعقابي سوى بافتعال المشاكل. والغريب في ذاك الوقت أنني كنت أميل كثيرا للتدين، فكنت أصوم الاثنين والخميس وأصلي النوافل جميعها وفي رمضان أصلي التراويح والتهجد، وحين أنجبت وانشغلت بعملي وأولادي، قلت عباداتي الظاهرة، وفي المقابل تحسنت أخلاقي تحسنا كبيرا وكله تأثرا بها وبوالدي الحبيب حفظه الله، عاتبتني يوما قائلة (يا بنتي، تتذكري لما كنت زمان ماشاء الله تصلي النوافل وتحرصي عليها، اشبك الله يهديكي؟ الزمي أقل شي ركعتين كل يوم بعد العشا مع الوتر، والله إنها كنز وشوفي حياتك كيف حتتحسن) فكنت أشاكسها ضاحكة (يعني يا ماما، تبغيني أرجع مراهقة الله لا يسلطني على مسلم وأمارس العنف في البيت وأروح أصلي نوافل، ولا شوفيني دحين زي الحمل الوديع واتقرب من الله بأشياء ثانية؟) فتضحك الفريدة وأعدها أنا وأعد نفسي بأن أعاود الالتزام لأنني فعليا بحاجة لشحنات روحية تهون علي مسؤوليات الحياة، والتي كانت كلها تهون بوجودها ودعواتها.

يا حبيبتي يا أمي، أشهده تعالى أن أي خلق كريم فينا تخلقناه منك، أنت الذكارة الشكارة الصوامة قوامة الليل، البهية صاحبة الحضور محبوبة الجميع، يا صاحبة أنقى قلب وأطهر سريرة، استودعناك عند من لا تعزين عليه، فيا رب لا تفتنا بعد الفريدة ولا تحرمنا أجرها.

هتون

الفريدة ومدام ليلى

الزمان: صيف سنة ١٩٩٥

المكان: الاسكندرية

أحد المشتركات بين حبيبي زهير ومعشوقتي فريدة هو السفر. وقد أنعم الله عليهم بستة من الأبناء، فكانوا يخططون كل عام لسفرة يذهب فيها الجميع للترويح عن أنفسهم، ونعم، لم يتركونا يوما، دائما كنا نسافر معا. في تلك السنة، حجز بابا رحلة للاسكندرية يسبقها أيام قليلة في القاهرة والتي كان هو لا يحبذها نظرا للازدحام الشديد، ومع أن الاسكندرية لم تكن أقل ازدحاما، إلا أن وجود البحر والأنشطة الشاطئية كان بالنسبة لنا شيئا رائعا. أما الفريدة، والتي كان ديدنها البحث عن مواطن الاستمتاع فكانت تعرف تماما كيف تجعل الرحلة ممتعة بشتى الطرق. كنا نأخذ شقة في أحد عمائر الاسكندرية المطلة على البحر ونقضي فيها أسبوعين، والمتعة الأساسية هي المشي يوميا على الكورنيش مع الفريدة. كانت بأناقتها المعهودة تأخذنا كل يوم ونمشي بلا نهاية نستمتع بفعاليات الكورنيش ونأكل الآيسكريم ثم يوافينا الوالد لتناول العشاء في أحد المطاعم، وكنت أنا وهبه، دودتا الكتب نذهب معها لمحطة الرمل ونتسوق من بسطات الكتب والمكتبات الصغيرة ونتناول القهوة والمعجنات في كافيه جروبي العريق. باختصار، فرودة كانت تصنع من أبسط الأماكن متعا عظيمة، وتبحث في الأزقة الضيقة عن محلات وأماكن ممتعة للاكتشاف والتسوق، فطبعا يجب أن تعود لأخواتها وإخوانها محملة بما يحبون من الهدايا لهم ولأبنائهم.

وبعد الأسبوعين والتي اكتفينا فيها بالتفرج على البحر، جاء وقت السباحة. ولهذا، استأجر والدي شقة في شاطئ العجمي، تمتلكها سيدة ارستقراطية تخالها إحدى هوانم جاردن سيتي نسخة حي زيزينيا بالاسكندرية. مدام ليلى كانت تمتلك صالة ترفيهية أو ما اصطلح على تسميته قديما بالكباريه، تغير الزمن وتغيرت هي ولكنها لازالت كما يقولون (عندها خير)وتعيش عيشة أقرب للرفاهية. تزوجت متأخرا برجل يصغرها كثيرا في العمر، ولا أبناء لديها. قامت مدام ليلى باستقبالنا وأعطتنا المفاتيح وأرشدتنا لأماكن التسوق القريبة وطرق الوصول للشاطئ، وكالعادة، وهذا ما اعتدنا عليه أنا وأخواتي منذ الأزل:

مدام ليلى وهي تنظر إلينا نحن الستة غير مصدقة: ما تقوليش دول ولادك

الفريدة بابتسامة المعتاد وبفخر تحاول ألا يظهر: إيوة أولادي، قولي ماشاء الله

مدام ليلى: الله أكبر الله أكبر، مش معقول، انت حلوة وشقرا زي ما تكوني أمريكانية، وعودك اللهم صلي على النبي مانيكان، ومافيش حد فيهم حلو زيك أو حتى شبهك، ايه يا بنات، ما طلعتوش حلوين زي ماما ليه؟

وكالعادة أيضا، أصبحت مدام ليلى صديقة للفريدة، تتحدثان وتتسامران وتتزاوران كأنهن يعرفن بعضهن منذ سنوات. كانت مدام ليلى منبهرة بجمال فريدة الأخاذ الغير اعتيادي، وأكثر ببساطتها وتدينها الناعم المتمثل بحفاظها على الصلوات والسنن ومسبحتها التي لا تنزل من يدها. وخلال الأحاديث، وبطريقة ناعمة جدا بدأ الحديث بينهن عن الدين.

مدام ليلى: والله يا فريدة أنا مش عارفة، متعودتش أصلي، يعني بصلي في رمضان، بس كل يوم؟ ازاي؟ ما اتعودتش

الفريدة: يا مدام ليلى مافي شي الواحد ما يتعلمه، ابدأي شوية شوية، أهم شي التزمي بالفروض، والله يا مدام ليلى الصلاة تفتح لك أبواب، المسلم لازم يصلي، ما ينفع نصوم ما نصلي، شوفي أنا حأعطيكي شرشف الصلاة، ومن بكرة نبدأ نصلي كل فرض

مدام ليلى: طيب يا فريدة، ححاول ولو ما قدرتش يبقى ربنا يسامحني

الفريدة: ابدأي وربنا يعينك، وبعدين بإذن الله بعد ما أرجع، سوي تأشيرة عمرة وتعالي عندي لا تاخدي فندق ولا شي، تجي عندي في البيت والسواق يوديكي العمرة

مدام ليلى: والله فكرة يا فريدة، أنا عايزة أحج والله بس حآجي أعمل عمرة ونشوف بعدها

ومن بعدها، مدام ليلى، الطيبة النقية، والتي لم تكن بحاجة لشئ سوى لأسلوب فريد تمثل لها في الفريدة لتلزم الصلاة وتصبح العمرة السنوية عادة لها التزمت بها حتى وافاها الأجل بعدها بعشر سنوات لم تتخلف فيها عن العمرة أبدا، وأدت أيضا فريضة الحج ولاقت وجهه تعالى مصلية لفرضه وحاجة لبيته.

حبيبتي فريدة، أرجو أن تكوني التقيت بمدام ليلى هناك في دار الحق، ونشهد الله وهو خير الشاهدين، أنك كنت داعية فريدة من نوعها، داعية أنيقة وصغيرة وجميلة لم تقل عن نفسها يوما أنها كذلك، ولم تغضب أحدا أو ترى أنها أفضل من غيرها، أعلى الله درجاتك في عليين يا حبيبتي وجمعنا بك عند مستقر رحمته.

هتون