خلاصة RSS

Category Archives: الفريدة

لم أتخيل يوما أن أرثي أمي، لم أكن أصلا أعلم أن الكتابة عن الفريدة ستصبح روتينا وأن إحياء ذكراها سيصبح سلوى أتصبر بها على لوعة الفراق، رحمك الله يا سيدة قلبي، يا ألوان الحياة، يا نورا سطع وأفل وسيظل انعكاسه يظللنا ما حيينا

أيامنا بعد الفريدة (٣)

لا أعلم لماذا أضفت أرقاما متسلسلة لهذه التدوينات، فحتما ترتيبها ليس متتابعا. من قال بأن التعامل مع فقد الفريدة يسير وفق وتيرة معينة وبتسلسل معروف مسبقا؟ هي تجربة جديدة ومتفردة الثابت فيها بإذن الله هو الرضا واليقين بالجبر، عدا ذلك فهو طوفان مشاعر مختلفة ومتضاربة وغريبة وجديدة، شئ يعكس تفردنا كبشر، وفرادة فريدتي حبيبتي والتي أشعر أنني أفتقدها فقدا عظيما رغم أنني قررت أن أتعامل مع الوضع حاليا وكأنها مسافرة لمكان تحبه سفرا مفتوحا. لطالما عشقت فريدتي السفر ، وكرفيق فيه، فهي أكثرنا طواعة وإيجابية وانفتاحا للتجارب الجديدة فيه. لا نذكر يوما أنها فرضت رأيها أو اعترضت، وفي المرات التي لا تذكر والتي تعترض فيها، تفعل ذلك بطريقة سهلة تضمن أن لا تتأثر المتعة ولا يتكدر أحد. إحدى هذه المرات كانت حين رافقتني فيها لحفل تخرجي ببريطانيا والتي قررنا فيها أن نقوم برحلة متكاملة نجوب فيها أرجاء المملكة المتحدة، وآخر محطة كانت معشوقتي لندن. ولمن يعرف فاتنة العواصم المغرورة تلك، يدرك أن ٨٠٪ من المتعة فيها تكمن في المشي في شوارعها واكتشاف أزقتها، ولا أحد يعشق المشي وعلمنا حبه قدر الفريدة. فما كات مني سوى أن جعلتها تمشي وتمشي حتى أوقفتني في وسط الطريق ونحن في طريقنا لحضور مسرحية The Lion King، والتي كانت ستحضرها فقط مجاملة لي وللأولاد، وقالت بغضب بسيط (هتون إنت ما تستحي؟؟؟ لك ساعة تقولي باقي خمسة دقايق، خلاص أهجدي واطلبي تاكسي)، واستوعبت وقتها أن من حقها أن تتعب ولكن لأنها أفضل وأجمل رفيق سفر، فهي لا تعترض، وكانت هذه إحدى المرات القلائل التي توبخني فيها في رحلة من الرحلات وكنت أستحق، هذا خلاف الأيمان التي أقسمتها أن لا تسافر بالقطار بعد أن تعبت أعصابها خلال زياراتها لي وقت الابتعاث حين كنا نسافر كثيرا به قبل أن أتعلم القيادة، ونجر الحقائب وعربة أواب حين كان صغيرا، ومرات يفوتنا القطار بعد أن نكون قد أوشكنا على اللحاق به، فنقف لاهثي الأنفاس ونحن نراه يتحرك أمامنا، فتنظر لي الفريدة وتقول (خلاص ما صار شي، لعله خير، نلحق اللي بعده)، وأنا أعرف يقينا أنها مجهدة ومتعبة، ولكني كنت أصدق أنها دائما وكما عودتنا، بخير.

حسنا يا فرودة، سأخبرك عن ذاك اليوم العصيب الذي سمعنا فيه خبر رحيلك. قد أخبرك بالتفاصيل الدقيقة عن وقع الخبر علي في وقت لاحق، لكن الآن، سأحكي لك عن عمق النوم الذي غشاني به الله بعد نهاية يوم خلته الأطول في حياتي. لا تغضبي مني يا حبيبتي، نعم نمت، وبعمق شديد في نفس اللحظة التي لمس فيها رأسي الوسادة. رحلت في الصباح، وصلوا عليك صلاة المغرب، وأذكر أني في حدود الساعة الثانية عشرة ليلا، زحفت زحفا للفراش بقدمي المكسورة، واندسست فيه ولم أشعر بنفسي سوى وقت آذان الفجر. نمت ما يقارب الخمس ساعات، وهو متوسط عدد ساعات نومي كما تعلمين، ولطالما وبختني على قلة النوم بعبارات على شاكلة (تحبي الشقا، ايش مصحيكي قد كدة بدري؟ انت ما تعرفي ترتاحي؟). كيف نمت؟ قلبي المحترق وعقلي الصاخب الذي يحاول الاستيعاب وكل الأصوات المدوية في رأسي، كيف نمت؟ فكرت كثيرا في تلك اللحظات العجيبة، حاولت إيجاد تفسير منطقي لكيف نمت في ليلة قال الجميع بأنهم لم يتمكنوا فيها من الغفو لحظة. استرجعت ردود أفعالي في ظروف وفاة أخرى، كنت أجد صعوبة في النوم، عقلي كان ينشغل بكل أهل الميت وكيف سيتعاملون مع الأمر وماذا أستطيع أن أفعل لهم وكيف سنكون مصدر عون، وأكثر من كنت أفكر فيها هي فرودة حين توفى أشقائها رحمهم الله على فترات متباعدة وغيرهم من أفراد عائلتها. أما حين كانت هي من ذهبت، أفكر في من؟ شعرت بأن الكون تقلص وأن الحزن في قلبي لا يسعه تفكير في أي شخص ولا أي حدث، خواء في العقل رغم صخب الأصوات، فراغ في القلب رغم القهر، فنمت بعمق غريب، ليصدمني الشريط حال استيقاظي، ولازال.

لا شئ أكثر للآن يا فرودة، كلنا بخير. بيتك يا حبيبتي عامر. أحاطنا الأهل والأحباب برعاية وحب جعلتنا عاجزين حتى عن الرغبة برد الجميل لهم. نحن نحصد ما زرعته يا حبيبتي. أنت من نثر الحب في كل مكان، أنت من احتوى الجميع، أنت من كنت تتصلين بأي شخص سافر والداه أو تغيبوا لأي سبب وتدعيه لغداءك الأسبوعي مع أسرتك حتى لا يشعر بالوحدة، أنت من كنت تذهبين لكل المناسبات السعيدة والحزينة محملة بأطايب المأكولات، أنت من كنت تتأكدين من صنع الطعام المفضل لمن تذهبين لهم حتى يسعد قلبك برؤية الرضا في أعينهم، أنت من كنت تبتكرين المناسبات فقط ليتجمع أحبابك القريبين والبعيدين، وإذا تضجر أحدنا من التعب والمجهود الذي يصاحب هذه المناسبات رمقته بإحدى نظراتك (بطلوا ضياقة العين، كله يصير)، وكان فعلا (كله يصير) وعلى أكمل وجه، لأنك كنت أنت. لا شئ سيعود كما كان، وهذا الفراغ لن يمتلئ، ووحده رب العباد كفيل بالجبر، والحمد لله على قضاءه وقدره وجميل صنعه.

فقط ملاحظة، لازلت لا أريد إخبارك عما يحصل في غزة ولا عن الإبادة الجماعية التي يقوم بها ذاك الكيان المغتصب دون رادع، ولكن نعدك أن نكثف الدعاء كما كنت تفعلين دائما، دمت منعمة يا باهية عند رب بإذن الله راض عنك غير غضبان.

هتون،

٣/١١/٢٠٢٣

أيامنا بعد الفريدة (٢)

حقيقة لا أعلم لم أصبحت عندي عادة عد الأيام بعد رحيل الفريدة. هل هو الثقل؟ هل هو شعور بأن هذا العد قد يعد ببعض السلوى؟ لم أعد في حالة صدمة، هذه الحالة انتهت، ما أمر به الآن غريب ويختلف من يوم ليوم. الثابت أنه لازال، وبعد مرور ثمانية عشرة يوما على الرحيل، استرجع كل الشريط لحظة استيقاظي من النوم صباحا، ولوهلة يخال لي أنه حلم، فاستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأعود لعقلي الذي بدأ يتعايش مع فكرة الحياة بدونها. نعم، الأيام تمر، ونحن لازلنا نعيش، ولو كتب الخلود لأحد لكتبه الله لأنبيائه، ولكن لعل أهم مفهوم للتصالح مع فكرة الموت هو أن لا ننتظر من الكون أن يعود كما كان، هذا لن يحدث، هناك حياة وكون جديدين الآن وعلينا التعامل معها.

أشعر أنني أرغب بالحديث عنها طوال الوقت. لازالت كلمة (ماما الله يرحمها) ثقيلة جدا ودلالاتها حاسمة وحتمية، ولكن يا للحب في سيرتها. هل أعد يا فريدتي عدد العمرات اللي قام بها محبوك وأهدوك أجرها؟ هل نعد عدد ختمات المصحف الشريف والتي يبدأها وينهيها أشخاص لا نعرف حتى أنهم يعرفونك، لا أن يبكونك ويختمون لك المصاحف ويقيمون لك الصدقات الجارية؟ لم استغرب؟ ألم تكوني أنت أول من يعتمر للميتين؟ أنت حمامة الحرم المعروفة بمشاغباتك الدائمة لمحاولاتك الوصول لأقرب نقطة عند الكعبة، والتي لاترسم عند أمن الحرم سوى البسمات وتوصيتهم لبعض أن يدعوكي لصلاتك وابتهالاتك؟ أبشرك يا حبيبة القلب أن محبينك أوفياء، يذكرونك ويعتمرون ويتصدقون لك ولا يتحدثون عنك سوى بكل الحب.

هل أخبرك يا فريدتي عن نوادر وغرائب حصلت أيام وفاتك؟ هل أخبرك عن من تلقى خبر ترقيك وصدم ولم يتمكن من الحديث، وحين سأله من حوله (مين مات؟؟؟ الوالد؟ الوالدة؟) سكت ولم يعرف كيف يجيب. حاول أن يسترجع القرابة فوجدها ليست فقط بعيدة، لكنها لا تذكر، فلم يجد أقرب من جواب (أمي بالرضاعة) فقط ليبرر لمن حوله صدمته وحزنه لإنسانة تعني له الكثير. هل أخبرك عن كل من اعتبروك أمهم، شقيقتهم، حبيبتهم وأختهم فشعرنا نحن بناتك بالرغبة بالقيام من أماكننا وإجلاسهم مكاننا ليتلقوا فيك العزاء؟ هل أخبرك عن السهالات والبشارات على كل نطاق؟ هل تتخيلين أن غرفتك حيث رائحتك وأشيائك وبدل أن تكون محفزا للحزن كانت مصدرا للسكينة؟

ماذا أقول يا حبيبتي أكثر من أنني اشتقت لك. نعم، عدت لممارسة عملي بعد أيام عزاءك مباشرة، تذكرتك كيف كنت خلال ثالث أيام عزاء شقيقك الحبيب عبد الجليل حين قمت بتوزيع الحلوى الفاخرة لأن الله سبحانه أراك مناما جميلا ومبشرا له، هذا أنت، متفائلة صابرة محتسبة راضية ولا تحبين أن تتوقف الحياة، فعلت ذلك تأسيا بك رغم خوار قواي وتمزق قلبي.أتعلمين ماذا أيضا؟ رجلي التي كسرت خلال الأيام القلائل التي كنت فيها في المستشفى لاتزال في الجبيرة، أتذكرين حين دخلت عليك في المستشفى على كرسي متحرك ونظرت لك وقلت (الصراحة يا فرودة، ما اتحملت انك تاخدي كل الأضواء، قلت أنافسك)، ابتسمت ابتسامة خفيفة وأوصيتيهم أن يقوموا بالاهتمام بي، مما جعلنا كلنا ندخل في حوار طريف عن سوء توقيتي وكيف وأنه عقابا لي، سيقوموا بتوجيه الكرسي الذي أجلس عليه للجدار حتى أراجع نفسي وأتوقف عن الوقوع وافتعال الحوادث في الأوقات الحساسة. لازلت أراجع نفسي يا حبيبتي وأذكر كل وصاياكي وأحاول أن أكون أفضل، أريدك أن تكوني فخورة بي.

حسنا، لن أخبرك عن ماذا يحدث في غزة، لقد أنعم الله عليك بالترقي لمكان أفضل، مكان لا توجد فيه كل هذه البشاعات، أنت في دار لا مكان فيها إلا للحق، أنت حيث العدل لا في دنيا نرى فيها الظلم واستقواء الباطل. سأعود أن للفانية واستودعك عند من لا تخيب ودائعه، وأعود وأرجوك أن تزورينا في المنام، هاقد مرت الأيام وأخالك قابلت أحبابك ممن سبقوكي لدار الحق، فأنعمي على من لازالوا في الفانية بشئ منك يسري قلوبهم، وكلنا بإذن الله بخير.

هتون،

٣٠/١٠/٢٠٢٣