خلاصة RSS

Category Archives: الفريدة

لم أتخيل يوما أن أرثي أمي، لم أكن أصلا أعلم أن الكتابة عن الفريدة ستصبح روتينا وأن إحياء ذكراها سيصبح سلوى أتصبر بها على لوعة الفراق، رحمك الله يا سيدة قلبي، يا ألوان الحياة، يا نورا سطع وأفل وسيظل انعكاسه يظللنا ما حيينا

المزيد من المعاني أيتها الفريدة، والكثير من الاكتشافات

خمسة أسابيع على يوم الترقي، أو كما أعتقد أنني سأسميه “يوم الحزن الأكبر”، يوم فقد الحبيبة الفريدة. ماذا أحكي وماذا أقول، هذا الوجع والفراغ تجربة فردية لا يمكن أن تتشابه مع أحد، ولكن هناك مشتركات ومتقاطعات توحد التجربة وتجعل التعاطف والعزاء ممن مر بها سابقا حقيقي وذو معنى. تفاصيل ذاك اليوم لازلت لست مستعدة للكتابة عنها. نعم كنت بكامل الوعي رغم الصدمة، وأذكر تماما ما حصل وكيف تصرف الآخرون، وهي ما سأدونه يوما بتفاصيله ومفارقاته وعجائبه، ولكن في وقت لاحق.

حتى الآن، لازلت أحار في هذه الحقيقة. كيف يا حبيبتي تفقد أبسط الأشياء معناها بدونك؟ سأقول لك شيئا قد يبدو تافها، أتعلمين أنه منذ رحيلك ونحن نتجنب وجبة السمك في غداءنا الأسبوعي؟ أتعلمين لماذا؟ حسنا سأخبرك، أولا لأنه فعليا هذه الوجبة بتفاصيلها تعبر عنك. شوربة الثمار البحرية، السمك المقلي، الصواني التي كنت كل فترة تجددين فيها حتى لا نمل، السمك المشوي والجمبري، كل هذه التفاصيل وحتى ضيافتك لأحبائك على السفرة أشياء لا تنفصل عنك، أحقا سيكون لها طعم بدونك؟ أما السبب الذي والله نخجل من ذكره، هو أننا لا نعلم كيف نطلب الأنواع، وماذا يصلح لماذا ولا حتى الكميات التي تكفينا. أذكر حين كنت مسافرة في إحدى المرات وأردنا أن نطلب سمكا واتصلت عليك لتبلغيني بالكميات التي تكفينا والأنواع، وأخبرتني بالتفاصيل وطلبنا كل شئ، هل تراني كنت أتخيل أن معلومات كهذه كانت واجبة الأرشفة حتى نرجع لها لاحقا؟ لم نتصور ولا ثانية واحدة أن الفريدة سترحل وتتركنا غارقين في تفاصيل تبدو سهلة وبسيطة ولكننا لم نكن نشعر بأهميتها، فلماذا عسانا نهتم؟ كانت دائما موجودة. كانت دائما معطاءة وجاهزة لاستقبال الجميع. كنا نأتي إلى بيتها العامر أسبوعيا مع أولادنا ونسرح ونمرح وهي ترتب كل شئ، ونحن فقط نجلب المفرحات على الهامش بجانب ما جلبته هي لأحبائها الأطفال. أتذكرين يا فرودة حين كان يتسلل أحفادك الحسن وأمين وآدم باحثين عن كيس المفرحات الذي كنت تضعينه في الخزانة الواقعة بجانب باب غرفتك؟ لازال هناك مفرحات، ولكن لا أحد يتسلل، ولا فرودة تمنح بسخاء وعطاء.

ماذا فاتنا أيضا ولم نأرشفه؟ آه يا حبيبتي لقد فاتنا الكثير. كل يوم يمر نكتشف ضياعنا بدونك. نحن المتعلمون الفاهمون المستقلون نشعر بالورطة دون كلمتك المعتادة (خلاص سووا كدة وكدة وكدة، وكله يمشي)، نعم كله يمشي، لا شئ يتوقف، ولكن لا شئ سيعود كما كان.

رحمك الله يا نور عيني رحمة مرسلة ليوم الدين، يا رب اشتقنا لها ولروحها ولوجودها ولضحكاتها ومناكفاتها، يا رب اجعلها راضية مرضية عندك، واجبر كسرنا في فقدها يا رب.

هتون،

١٨/١١/٢٠٢٣

أربع أسابيع عجاف

ها قد مرت الأسابيع يا فرودتي الحبيبة، يا من اشتقت لها شوقا أعجز عن وصفه، في مكانك لا أظنك تعدين الأيام، ولعل عالم البرزخ الذي أنت فيه الآن أيامه وساعاته ليست كما نعد ونحسب. لا أدري، ما أنا واثقة منه تماما وهذا ظني برب العالمين وظنك أنت يا حبيبة ربها وعاشقة نبيه، أنك في مكان جميل وبارد وبهي، أنت هناك جميلة كما عشت وكما رحلت. وحقيقة، ما حاجتك في مكان ارتقاءك لعد الأيام وحساب الساعات والسنين والأشهر؟ نحن نفعل ذلك لأننا ننتظر شيئا. ننتظر آخر الشهر لنقبض رواتبنا، آخر اليوم لنعود لمنازلنا ونرتاح، آخر الأسبوع لنلقى أحبة ونجتمع بهم، ننتظر رمضان لنصومه ونقوم ليالية، والعيد لنحتفل ونتبادل الهدايا،دائما هناك عمل وترقب، لكن هناك؟ لا عمل، فقط حصاد، ولعله لقاء أحبة سبقونا وأنت يا حبيبتي سبقك كثيرون، والدك ووالدتك، شقيقيك الحبيبين عبد الباري وعبد الجليل، أعمامك وأخوالك والكثير من أحباءك، أنت الآن فعليا تلقين الأحبة.

لكن ماذا نفعل نحن بإحصاء الأيام؟ أتعلمين أنك اليوم أكملت أربع أسابيع كاملة مترقية عند رب العالمين؟ يا لها من أسابيع طوال عجاف. إذا كنت أنت في لقاء أحبة، ماذا تراه من فقد الأحبة فاعل؟ ترقب آخر الأسبوع والذي كان لقاءك فيه هو لب الموضوع وجوهره، كيف هو الآن بدونك؟ أأخبرك أنه بارد باهت لا طعم له؟ هل هو حقا كذلك؟ أتعلمين، وأرجوك ألا تغضبي مني، رحيل جسدك لم يصحبه رحيل روحك، وأنت تعلمين جيدا بهاء روحك وقوة حضورك. روحك يا حبيبتي هي من يلون اجتماعاتنا في أي مكان كنت تزينينه بطلتك الأنيقة وحديثك الحماسي وأطباقك اللذيذة. والله ثم والله، لازلت أشعر بحرارة وجودك. هل هو جبر رب العالمين حتى نترضى ونتصبر؟ لعله كذلك، وهذا ما يجعلني أتسائل أكثر، رغم أنني بإذن الله راضية ومسلمة بقضاءه وقدره تعالى، لماذا في المرة الوحيدة حتى الآن والتي زرتيني فيها في المنام فعلت أنا ما فعلت. مرة أخرى، لا تغضبي مني وتقولي لي كعادتك “أصلا إنت دايما مجنونة”، ولكن أنا حقا لا أعرف لماذ تصرفت بهذه الطريقة. رأيتك وكأننا في مكان سفر، وهناك دلالات بأنه سفر طويل، رأيتك بنفس الصورة التي كنت عليها قبل ترقيك، لعلك أصغر قليلا في العمر، وفي اللحظة التي رأيتك فيها، قلت بكل اللوعة التي أشعر بها “ماما من جد إنت هنا؟ إنت حية ما متي؟ من جد؟ إنت حية؟”، نعم كنت ملتاعة، كنت وكأني غريق يتمسك بقشة، ولم يعجبك ذلك. نظرت لي تلك النظرة المعاتبة التي أعرفها جيدا، وأكملت طريقك. وأنا ازددت لوعة.

فريدتي، أقسم بالله أنني راضية، كلنا راضون، ونعلم أنك في مكان أفضل.ولكن سامحينا إذا كانت قلوبنا ممزقة من فقدك. أكنت تتوقعين أن يمر رحيلك مرور الكرام؟ هل كنت تتوقعين أنها مسألة ثلاثة أيام عزاء ثم ينتهي كل شئ ونكمل حياتنا كأن شيئا لم يكن؟ لا يا حبيبتي، لا يا فقيدة روحي، أنت أغلى من ذلك، بكثير، والله بكثير، وإن كنت لا تعزين على ربك، وهو وحده من وعدنا بالدرجات العلا إذا صبرنا على مصيبة الموت، هو من خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملا، ونسأله تعالى حسن الأدب معه تعالى. لا نقول يا الله إلا ما يرضيك، إنا لله وإنا إليه راجعون، هم السابقون ونحن اللاحقون، والحمد لله على قضاءه وقدره وجميل صنعه.

هتون،

الخميس، ٩/١١/٢٠٢٣