خلاصة RSS

Category Archives: الفريدة

لم أتخيل يوما أن أرثي أمي، لم أكن أصلا أعلم أن الكتابة عن الفريدة ستصبح روتينا وأن إحياء ذكراها سيصبح سلوى أتصبر بها على لوعة الفراق، رحمك الله يا سيدة قلبي، يا ألوان الحياة، يا نورا سطع وأفل وسيظل انعكاسه يظللنا ما حيينا

شهران، مع بعض التفاصيل

استلمت قبل أيام نسخ الطبعة الثانية من كتابي (١٩٨٠، بين جيلين). ولمن لا يعلم، فهذا الكتاب قمت بتأليفه ونشره خلال عامي ٢٠١٩ و ٢٠٢٠ مع دار أروى العربية للنشر والتوزيع، وهو حاليا متوفر في معرض الكتاب بمدينة جدة.

حين قمت بتأليف الكتاب، والذي هو بالمناسبة عبارة عن سيرة ذاتية توثق حياة امرأة عادية جدا من جيل الثمانينات، وجدت نفسي وبلا وعي أربط كل أحداث حياتي بفقيدتي الغالية الفريدة. حقيقة نحن نجهل تماما كيف تشكل أمهاتنا، بدون شعور منهن أو منا، حياتنا ونظرتنا للأمور وفهمنا للحياة. كتابتي لهذا الكتاب كان عبارة عن رحلة اكتشاف وعلاج كاشفت نفسي خلالها باضطراباتي ونظرتي القاصرة لبعض الأمور في الحياة وكيف تجاوزت الكثير من المصاعب والتحديات، والأهم، كيف فهمت علاقتي بالفريدة وكيف تفهمت الكثير من الأمور التي لم أكن أراها سوى بزاوية واحدة محكومة بمحدودية الطفولة وفوران الهرمونات في المراهقة والغضب الذي قد يعتريك حين تكبر قليلا. تفهمت أن رغبة جميلتي فرودة بتنحيفي الدائمة كانت لغة حب تجاهي وليست لغة عدم تقبل أو خجل. فهمت أن عدم سؤالي عن مذاكرتي وتحصيلي الدراسي كان ثقة بي وإيمانا بأنني “دافورة” ودائما على قدر المسؤولية، وأن سؤالها الدائم لأخواتي عن مذاكرتهن لا تعني أنها تحبهن أكثر مني بتاتا، صحيح أنني أتعبتها وأتعبت نفسي حتى وصلت لهذه النتيجة، ولكن أن تصل متأخرا خير من أن لا تصل، ولم أكن أعلم أن الوقت المتبقي معك يا فريدتي قصير جدا، كان كافيا لأن تقرأي الكتاب وتهديه لأحبائك، ولكني الآن أشعر بأن الوقت لم يسعني لأن استمتع بصحبتك وأنا ناضجة وعاقلة لأفهم واتفهم أمومتك الفريدة، ولأستوعب كم كنت جميلة ونقية، أقسم بالله أنني لم أقابل في حياتي أحدا بنقائك وصفاء سريرتك، كم أنت محظوظة لتلقي ربك هكذا مخففة من أعباء حقوق عباده، ونحسبك هكذا وربك حسيبنا جميعا.

والآن، ماذا أفعل بنسخ الكتاب وكلها مدججة ب (أمي حفظها الله)؟ ماذا أقول وأحكي عنك أكثر مما حكيت في الكتاب؟ فجأة استوعبت بأنني ورغم طول صفحات الكتاب، لم أكتب عنك سوي النذر اليسير. قد أكون أسهبت كثيرا عن جمالك الأخاذ الذي لا أظنه يتكرر، ولعلي فعلت ذلك لأنه فعليا طوال سنوات طفولتي لم أكن استوعب سوى أنك أجمل ما رأت عيناي، حقيقة وليس مجازا، ولم أكن أعلم كم أنت ذكية ولماحة. كنت قوية الحافظة وسريعة البديهة ولديك ذكاء أرقام لم يتمتع أحد منا ولا حتى بربعه. كنت أذكر أنك في المحلات التجارية حين ترغبين بتخفيض السعر، تحسبين النسبة المئوية وتسهلي على البائع، كما كنت تستطيعين بدون أي مجهود يذكر حساب تكاليف سفرة ما أو مناسبة وتدوينها بدقة عجيبة، كما كنت تسترجعين ما تحفظينه من القرآن في كل مراحلك العمرية وكأنك طالبة نجيبة لازالت في المدرسة. كنت أسمع الكثيرات يندبن حظهن ويتحسرن على فوات فرص كسب مادي، فرص زواج أو ما شابه، أما أنت فكانت حسرتك الدائمة أنك لم تكملي دراستك الجامعية، وهذا ليس لأنك لم تتمكني من دخولها، بل لأنك وقتها دخلت معهد المعلمات وبدأت التدريس بعمر صغير جدا، ورغم أنك كنت معلمة من الأوائل واللاتي كان يشار لهن بالبنان، إلا أنك أصررت على إكمال الثانوية بنظام المنازل، وكانت أكبر حسراتك بالإضافة لعدم إكمال الجامعة هو عدم استمرارك في الوظيفة، ولهذا قصة أدرجتها في الكتاب باقتضاب، ولعلي أكملها في كتاب خاص أعنونه ب “الفريدة”.

فريدتي، يا حبيبتي ومعشوقتي، لم استوعب يوما أن الكفاح والإصرار وعدم التسليم بواقع لا يرضينا كان ببساطة طبع اكتسبناه منك. لا أذكر أنك يوما، ورغم أنك لم تكوني موظفة، كنت فارغة بدون عمل أو مشروع. أذكر الآن الخياطة “رفيعة” التايلندية والتي استقدمتها مباشرة من تايلند كتدشين لمشروع المشغل المنزلي في دارنا آنذاك بشارع الستين والذي لا زلنا نسميه (بيت الشيخ يار). كان ذاك المنزل غريبا بتقسيماته، غرفه قليلة لكنه واسع شاسع المساحة بصالات غير مستغلة. ولأن عقلك دائم الحركة، قمت باستغلال المساحة وعملت على مشروعك والذي كنت أيامها أراقبه من بعيد وأحاول أن أفهم، ولم أكن وقتها استوعب أن مشروعك هو تجسيد للمشاريع الريادية والتي تحل مشكلة قائمة والتي كانت وقتها قلة المشاغل النسائية في مكة المكرمة وتردد النساء من زيارة المشاغل الرجالية وتحسسهن من مسألة أخذ المقاسات والقياس وغيرها من الأمور. وتوالت مشاريعك بعدها، فمن (لوران للسيدات) في وقت كانت فيه مشاريع الصالونات التجميلية تحارب وتمنع، لمشروع (كافيتيريا الملتقى) بجامعة أم القرى والذي استمر قرابة العشرين عاما وحتى صالون (ضوء القمر) والذي شكل علامة فارقة بمكة المكرمة، كلها كانت تجسيدا لرغبة الفريدة الدائمة بالتمكن المادي وعدم استسلامها لغياب الدخل بعد أن تركت الوظيفة بطلب من الوالد بعد أن بدأنا نحن بالتوافد واحدة بعد الأخرى. وها أنا أرى نفسي وأنا أكافح الحياة بطاقة وتوكل وعدم تسليم، واتذكر الفريدة وكلماتها والأهم، تصرفاتها ودعمها. كنت أحيانا أشعر بأن مكابدتها ومحاولاتها الدائبة لا تستحق، ولطالما جوبهت بالإحباطات والخسائر، لكن أقسم بالله أنني لم أرها يوما ساخطة أو حزينة بسبب خسارة مادية، كانت تحاول لملمة الأمور والبدء من جديد. يا حبيبتي، ذكر الله والتوكل عليه كانا دائما ملازمين لك، منك تعلمت ألا أقلق من الرزق لأنه مكتوب، وتعلمت منك أن ألجأ إلى الله وحده لطلب الرزق والتمكين مع السعي، لطالما قلت لي (يا بنتي، ركعتين في الليل قضاء حاجة واطلبي من الله كل اللي تبغيه، الله يرضى عليك لا تتركي حبل الله)، والآن وأنا أجابه حرقة فقدك، وأنت لست هنا لتعطيني إحدى وصفاتك السحرية لأجابه الدنيا من بعدك.

رحمك الله يا حبيبتي ومتعك في جنات النعيم، فقط أقول لك بأننا بخير، ولكننا اشتقنا لك، والله إن الدنيا موحشة بدونك، ولكن الأنس به تعالى، نسأله أن يربط على قلوبنا ويرينا بشائر جبره.

هتون، ٩/١٢/٢٠٢٣

تعايش

تمر الأيام. نعم يجب أن تمر لأن هذا ديدنها وقدرها. منذ بدء الخليقة، وحتى يأذن الله لهذه الحياة الدنيا بالنهاية، وسننه تعالى سارية، وفعليا، لو كان سبحان من تقدست أسماءه سيوقف الدنيا أو يجمد الكون لأحد، لكان هذا لأنبيائه ورسله، ولكنها ستستمر. أذكر أنه بعد حوالي خمسة أيام من ترقي حبيبتي ونور عيني لدار الحق، خرجنا لأول مرة لحضور يوم عزاء ممتد في جدة لمن لم يستطع حضور العزاء في بيت حبيبتي بمكة المكرمة، ولا أدري لماذا استغربت من حركة المرور الكثيفة ومن ازدحام المحلات، واكتشفت لحظتها أن الكون عندي كان متجمدا عند اللحظة التي تلقيت فيها خبر وفاة فريدتي. وساعتها، ولأننا بشر ضعفاء محدودون، توقف تفكيري تماما وشعرت أن العالم بقاراته ودوله وحضاراته اختصر وتقلص ولم يعد له معنى أو أهمية. ولعل خروجي ذاك اليوم كان أول مواجهة مع حقيقة أن ما حصل هو جزء من دورة الكون وتلازم الموت والحياة والتي جعلها الله سنة كونية، فكما هناك حياة، لزم أن يكون هناك موت، وتستمر الحياة.

حسنا يا فريدتي، والله لا مشكلة لدي مع فكرة وفاتك، أشهد الله تعالى أنني راضية، وعندي ثقة كبيرة فيه تعالى بأنك منعمة وراضية مرضية عنده تعالى، ولكن التعايش صعب مع غياب تفاصيلك. سأبلغك أننا تجرأنا وقمنا بفتح خزانة ملابسك. حسنا، أعلم جدا أنك أنيقة. لا أعتقد أن هذه النقطة تحديدا تحتاج لأي إثبات، فصورك قديما تثبت أن الجمال والأناقة لطالما كانا مرادفان لإسمك، لقد كنت سابقة لعصرك وزمانك، حتى حين تردى الذوق في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، كنت أنت ثابتة على الكلاسيكيات ولم تنجرفي يوما لموضة لا تناسبك. لقد أخبرتك مسبقا حين كبرت وتواجهنا بشفافية في مسائل كثيرة كيف أن جمالك ورشاقتك كانا سببا لمعاناتي في طفولتي ومراهقتي. حين كتبت كتابي (١٩٨٠، بين جيلين)، استرجعت مشاعري كطفلة نحوك وكيف كنت أنظر إليك وأعجب كيف لك أن تكوني بهذا الجمال وهذه الرشاقة حتى بعد إنجاب ستة من الأطفال. كنت مصدر فخر وعذاب لي في نفس الوقت. كنت أرغب أن يري العالم كله، والذي كان في طفولتي مقتصرا على مجتمع المدرسة والعائلة، جمال أمي وفخامتها، فكنت أترقب مجالس الأمهات حتى أباهي بك العالم. أما بيني وبين نفسي، فكنت أشعر بأنني مهما فعلت فلن أستطيع مواكبة حسنك وأنني لا أستحق أما مثلك. لا أخفيكي أنني كنت أشعر بأنك تخجلين مني لأنني لست شقراء شهباء مثلك وكنت زائدة الوزن، وأنت والله لم تلمحي لي يوما بأن سمرتي كانت عيبا إنما بالعكس، لطالما كانت جملتك لي (السمارة أمارة، ووجهك حلو ومدور زي القمر). أما زيادة الوزن، فلن نخفي على بعض يا فرودة أن هذه الزيادة كانت إحدى أسباب معاناتك معي في الطفولة وأحد أسباب نفسيتي السيئة خلال مراهقتي. والله لقد أتعبتك يا فرودة، محاولات تنحيفي والتي أسهبت عنها في كتابي أخذت الكثير من طاقتك سابقا، أنت الأم لستة أطفال، كنت تسخرين لي وقتا ومجهودا كبيرين حتى أنحف، وكنت أنا بعقليتي القاصرة وقتذاك لا أرى في ذلك سوى عدم قبول وعدم استحقاق لأن تكوني أمي. أتعلمين أنه حين فقدت الكثير من الوزن قبل زمن طويل، تحديدا قبل تخرجي من الجامعة، كانت أكبر مكافأة لي والتي أشعرتني بالكثير من الرضا هي أنني استطعت أن ألبس قطعة من ملابسك وكان مقاسها مناسبا؟ والله لازلت أذكر كيف نظرت لنفسي في المرآة ويملأني الزهو والفخر، نعم، الان فقط ستفخر بي فرودة، سامحيني يا حبيبتي، كنت صغيرة ولا أفهم. والآن يا حبيبتي، يا جميلتي، أستطيع بسهولة أن ألبس ملابسك. نعم، خسرت الكثير من الوزن منذ سنوات، ورأيتني أخيرا بالصورة التي طالما تمنيتها لي طوال حياتك وحياتي، والآن، ارتديت بعضا من ملابسك. أتذكرين ذاك الفستان الوردي ذي اللون الزاهي الذي كنت ترتدينه أحيانا في زيارات خالاتي؟ لقد لبسته يا حبيبتي، وكان جميلا باهيا ناعما، شعرت بأنه يحتضنني ويواسيني، هذا فستان فرودة الحلوة الأنيقة. وأخذت قطعا أخرى يا معشوقتي، وأعدك أن أكون كما كنت تحبين أن نكون دائما، أنيقات لائقات في كل الأوقات، ولعلنا نكون امتدادا للجمال الذي أسست قواعده، طبعا من الصعب جدا مواكبته، ولكن أعدك أن نحاول.

قلبي يؤلمني، لقد اشتقت لك شوقا كبيرا عظيما يتعاظم يوما بعد يوم، ولا نقول إلا ما يرضيه تعالى، إنا لله وإنا إليه راجعون.

هتون،

٢٨/١١/٢٠٢٣