خلاصة RSS

Author Archives: Hatoon

ذات صيف في الرياض

Posted on

وصلت الرياض قبل يومين لحضور دورة تدريبية. وللحق، حين علمت بأمر الدورة التدريبية، فرحت جدا وقلت لعلها فرصة للسفر والتغيير حيث أنني لم أسافر خلال إجازتي التي امتدت لأسبوعين كاملين قضيتهما وبكل فخر في ممارسة اللاشئ، ذاك اللاشئ اللذيذ الذي تشعر بكامل الاستحقاق أنك تمارسه دون أن يساورك أدنى إحساس بالذنب بأنك تعطل عجلة التنمية، وأن هذا التبطح الذي يتسم باللاهدف هو مستهدف بحد ذاته. إذا لنذهب للرياض حيث الفعاليات والاحتفالات والصيف الواعد بالكثير من التسالي، حسنا، كنت أعرف يقينا أن الأجواء الصيفية في الرياض قاسية وأن حرارة الشمس هناك تتسم بقدرة عجيبة على لفح وجهك فتشعر أن وجنتيك تشتعلان، ولكن ما علينا، كل الأماكن مكيفة، كما أن الأجواء الصحراوية تجعل الليالي الصيفية لطيفة نوعا ما، بالإضافة لأن شقيقتي هبه موجودة هناك بطبيعة الحال نظرا لارتباطها بالعمل، فكل الظروف مهيئة.

كانت الرحلة سلسة بطريقة عجيبة. أقلعت الطائرة قبل موعدها ووصلنا خلال وقت أقل من المعتاد، نزلنا من الطائرة وتوجهنا لمنطقة استلام الحقائب، ونظرت عدة مرات في اللوحة الالكترونية لاتأكد من رقم سير الحقائب، وجلست عنده منتظرة.

وانتظرت،

وانتظرت،

وانتظرت وطال انتظاري، وطوال الوقت كنت اتأكد فعليا من رقم الرحلة، حتى وجدت عبارة (اكتملت الأمتعة). لا يا هتون لا، لن تفقدي حقيبتك، أنت هنا لمدة خمسة أيام وضياع حقيبتك سيضعك في وضع حرج، يا رب ماذا أفعل؟ تلفت حولي بحثا عن خدمات الحقائب، وأنا اتلفت، وجدت حقيبتي تتبختر على السير الذي يقع خلفي تماما، ماذا؟ لماذا أنت هناك أيتها المارقة؟ شعرت أن كوني وجدتها هو غنيمة بحد ذاته، فلن أشغل نفسي بلماذا وكيف، ولمت الحقيبة لأنها ربما ضلت طريقها، هذا أفضل الآن لحالتي المزاجية التي لا ترغب بتاتا بأي جدال.

توجهت بعدها لمكاتب تأجير السيارات. وحيث أني لم أحجز مسبقا، أعددت نفسي لأن ألف على عدة مكاتب حتى أجد سيارة مناسبة، ولكنني فوجئت بوجود ضالتي عند أول مكتب قصدته، وسارت إجراءات التأجير بكل سهولة، ليس ذلك فقط، ركبت السيارة وشغلتها ووجدت هاتفي يتصل بالسيارة دون أي مجهود يذكر، هذا بالإضافة لأنه صادف أن الفندق الذي تنزل فيه هبه يبعد سبع دقائق فقط عن مقر الدورة، شعرت أنها كلها إشارات وأن فصل الحقيبة ليس إلا عارض، وبأن رحلتي الرياضية ستكون مكتملة الأركان بلا شك. وكنت أظن وأظن وأظن.

وصلت الفندق واستقبلتني هبه ونمت ليلتها براحة وأنا متطلعة لحضور الدورة التدريبية اليوم الثاني. استيقظت كعادتي مبكرة جدا، استعددت وخرجت قبل موعد الدورة بساعة ونصف، قلت لعلي اكتشف المنطقة المحيطة وآخذ وقتي لإيجاد موقف للسيارة، وفعلا وجدت الفندق سريعا ووجدت المواقف تناديني لأختار منها ما يناسبني، أوقفت السيارة ونزلت وحضرت أول يوم في الدورة التي كانت ممتعة وتعرفت خلالها على الكثيرين، وتحمست بأنها ستكون أربعة أيام ثرية. انتهى اليوم وركبت سيارتي ووضعت الموقع في خرائط جوجل والتي اتصفحها عن طريق Apple Carplay، وجدتها تقودني لطريق ضيق جدا نظرا لوجود إصلاحات، فبعد صف السيارات المصطفة، أصبحت المساحة تحتاج لخبير مساحات حتى لا تحتك السيارة بالصبات أو بالسيارات المصفوفة، وضعت يدي على قلبي، فالسيارة لا تحتوي حساسات، فقط كاميرا خلفية، فأصبحت أسير وعيني على كل الجهات، وصلت لزاوية التفات، وكانت هناك سيارة زرقاء، لا أعلم ماذا أقول عن صاحبها سوى حسبي الله وهداك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قام هذا الأحمق بصف سيارته قرب الزاوية، تاركا لجميع السيارات مسافة ضيقة جدا للالتفات، وفجأة وجدت نفسي أحتك بخشونة في الصبة وأنا انعطف يمينا، شعرت كأن مفاصلي هي التي احتكت، فآخر ما أرغبه هو أن أوقف السيارة وأقوم بتصوير الحادث والتواصل مع نجم خصوصا وأن الساعة الثالثة عصرا والشمس من زجاج السيارة تلفح وجهي. شعرت بغضب من صاحب السيارة الزرقاء ومن الصبة التي لم تتحرك حين اقتربت منها ومن فكرة استئجار السيارة ومن استخراجي للرخصة ومن كل شئ، أريد كنبتي في بيتي الآن.

ابتعدت قليلا عن مكان الحادث حتى لا أعطل السير، وقمت بتقديم البلاغ لنجم عن طريق التطبيق، هذا بعد أن تواصلت مع شركة التأجير وأبلغوني بضرورة التواصل مع نجم والإبلاغ عن الحادث حتى يتم تغطيته بالتأمين الشامل. جاء نجم بعد حوالي العشرين دقيقة، وانتقلت معه لمكان الحادث والتقطنا الصور للصبة المذنبة وتشاركنا الحقد على صاحب السيارة الزرقاء، ونعم، كدت أن احتك بالصبة مرة أخرى واتسبب بأضرار أخرى للسيارة، ولكن الله سلم. المهم، قمنا برفع البلاغ، ولكنه رفض نظرا لعدم وجود الاستمارة لأن السيارة مستأجرة، فهيا لنعاود التواصل مع شركة التأجير ليرسلوا لنا الاستمارة ونعاود رفع البلاغ في نجم، وهذا يعني تصوير السيارة ،مكان الحادث مرة أخرى، في شمس الرياض الحنونة، الحمد لله على كل حال. كنت قد خرجت من مقر الدورة قرابة الثانية والنصف، ولم أصل الفندق بعد هذه الحفلة سوى قرابة الخامسة، ما علينا، الحمد لله على كل حال، فالسلامة غنيمة. أرحت جسمي قليلا مع حمام الشمس الذي أخذته قسرا وأنعشت نفسي وقررت الخروج والجلوس في مكان ظريف حتى يأتي موعد خروج هبه، فآخذها ونتعشى سوية. كانت هبه قد أرسلت لي موقع عملها مسبقا، وجدت أنه يبعد عن الفندق ١٧ دقيقة، استغربت، فهي أخبرتني أنها تقطع مسافة ٤٥ دقيقة يوميا. خرجت من الفندق، وقمت بتشغيل الخرائط عن طريق Apple Carplay, شعرت بأن الخرائط لديها مشكلة، فهي تخبرني بالانعطاف يمينا، وحين انعطف أجدها تغير الطريق، فتأمرني بالمضي للأمام، وفجأة تغير الطريق وتطلب مني الانعطاف يسارا، جن جنوني، وقفت جانبا لأرى ما يحدث، ففوجئت بدورية تقف بجانبي تبلغني أنني في منطقة محظورة، اعتذرت وحركت السيارة وذهبت لمكان آخر لأجد حلا للخرائط التي فقدت صوابها فجأة، ظللت على هذه الحال قرابة العشرين دقيقة، الخرائط وكأن (ركبها عفريت من الجن)، ففصلت البلوتوث وشغلتها على الهاتف، فهدأت نفسها وبدأت ترشدني للطريق. توجهت باتجاه مقر عمل هبه وقررت أن أجلس في أي مقهى هناك، وصلت المقر وشعرت بعدم الاطمئنان، فلا توجد أي إشارة بأنه مقر عمل، إنما مركز تسوق وتحته صيدلية نهدي كبيرة، أرسلت لها رسالة (هبه، إنت متأكدة من الموقع؟ تحته صيدلية نهدي كبيرة؟) لتجيبني بجملة واحدة (خليكي على اللوكيشن اللي أرسلتلك هوا)، حسنا، تبدو أنها تعرف ما تقول.

ذهبت لمقهى قريب، وتعذبت حتى أجد موقفا للسيارة، ولم أجد مكانا سوى على طاولة مشتركة شديدة الضيق، ولكن القهوة كانت ممتازة، جلست قليلا وذهبت لآخذ هبه، عند صيدلية النهدي. اتصلت بي لتسألني أين أنت؟ أبلغتها أنني عند صيدلية النهدي حسب الموقع الذي أرسلته لي، أبدت استغرابها حيث أنه لايوجد أي نهدي في موقعها، أرسلت لي موقعا آخر، ونعم، كما توقعتم، وكما نغزني قلبي، لم أكن في الموقع الصحيح، والموقع الآخر يبعد مسيرة ٥٠٠ عام، أقصد ثلاثين دقيقة.

نعم يا سادة، هذا ما حصل. تسلحت بالصبر والحلم، فهذه الأمور تحصل، أنا نفسي فعلتها في آخرين قبلا، فلاداعي للدراما، ولنقد السيارة ونذهب لأخذ هبه من موقعها الجديد، أو القديم لا أعلم، تشابه البقر علينا، أو لعله النهدي هو السبب، يبدو أنني أبحث عن كبش فداء.

أخذت هبه ولازال قلبي أخضر ويرغب بقضاء وقت ممتع. قالت لي أن واجهة الرياض تبعد ١٠ دقائق من الفندق، والمكان جميل ويحوي الكثير من خيارات الطعام حيث أننا كنا حقيقة نريد وجبة لذيذة. ونحن نسير، اقترحت هبه أن نذهب للمركز المالي حيث أن هناك خيارات أكل لذيذة، وحسب الموقع في هاتفها هي، المكان على طريقنا للفندق، تسلحت بكل التفاؤل، ووافقتها، فلنذهب.

للأسف، قمت بتفويت مخرج، وللتصحيح، واتباعا لخرائط جوجل، أخذت منعطفا آخر، لأجد نفسي في مفترق طريق مزدحم. حسب ارشادات جوجل، يجب أن أذهب لأقصى اليسار لأعود في الاتجاه المعاكس، وهناك إشارة متفرعة، فوجدت نفسي في منتصف الطريق، أرغب بالذهاب لأقصى اليمين والسيارات وراءي غاضبة من رعونتي وأنا متمسكة بموقفي بالذهاب لليمين، حتى وجدت أمامي دورية ورجل مرور قام بتصوير فعلتي الشعناء التي والله لا أعلم للآن رأسها من قدمها، وأمرني بالتوجه لليمين، كمواطنة صالحة، توجهت لليمين، وانتظرت رجل المرور ليأتي ويعطيني محاضرة، زائد مخالفة.

وانتظرت،

وانتظرت،

وانتظرت وطال انتظاري، و،أصبحت في حيرة شديدة من أمري. رجل المرور لا يبدو عليه أنه يراني، ولكن هل هذا يعني أن أرحل؟ ماذا إذا كان يريدني أن أظل واقفة؟ يا الله ما هذه الحيرة؟ ما الحل؟ استخرنا الله أنا وهبه بعد حوالي الربع ساعة، وقررنا الرحيل، هذه المرة باتجاه الفندق، وتناولنا عشاء لذيذا بمكان قريب منه، وحمدنا الله، ولازلت بانتظار المخالفة، وأشياء وبشارات أخرى لعلي أسرفت في رسمها وتوقعها، ولكن الله كريم.

ولازلت في الرياض، ونعم، مستمتعة بوقتي، رزقني الله وإياكم قلوبا خضراء منتعشة دائما.

هتون،

٦/٨/٢٠٢٤

حين تبلغ أشدك، تدوينة في حب الأربعينات

Posted on

كامرأة تعيش في العصر الحديث، اعتقد بأنه لم يعد من المجدي أن ننكر سننا وأعمارنا التي ولدنا بها، فبحث بسيط على جوجل أو أي وسيلة أخرى سيفضح الرقم، وسنظهر بشكل بائخ غير لائق، بالنسبة لي، ولأخفف من وطأة الرقم، بدأت أنظر للموضوع بنظرة وفاء وتقدير لسنوات العمر. فهل يعقل أن أنكر سنوات عشتها بحلوها ومرها؟ ألا أكون ناكرة للجميل وكافرة بالعشير؟ وللحق، لست من الأشخاص الذين ينظرون للعمر على أنه مجرد رقم، كلا أعزائي، العمر هو مؤشر لأشياء لا نستطيع إنكارها، فالخلايا في الجسم تتأثر بالعمر، وعند المرأة، تقدمهافي العمر يعني أن فرصها في الإنجاب قد تتأثر، ويعني أيضا أن عليها أن تستثمر في صحتها ولياقتها حتى لا تفاجأها هشاشة العظام بعد انقطاع الطمث، نعم أنا آسفة جدا ولكن هذه هي الحقيقة ولا جدوى من إنكارها. رقم العمر لا يجب أن يمنعنا من الاستمتاع بوقتنا، من تعلم أشياء جديدة، من الحب والارتباط، من تكوين صداقات وعلاقات وغيرها الكثير، ولكنه مؤشر علينا الانتباه له، ولا مانع من البوتكس بالطبع.

فالحل الوحيد إذا هو أن نفصح عن العمر ويتحول الخجل والتوجس من أننا لم نعد صغارا ل (ماشاااااء الله مرة مو باين عليك، هذا ولدك؟ ماشااااااء الله مستحيل تبارك الرحمن)، فنبتسم خجلى وقلوبنا ترقص فرحا. وهذا يجعلني دائما اتسائل، لماذا لا نرغب أن يبدوا علينا أي شئ؟ نريد أن نكون جميلات دون أن (يبان علينا) أننا نستخدم الميك آب، ونريد أن نبدو أنيقات effortlessly كما يقولون أو بدون مجهود، ذكرني ذلك بالطالب المجتهد السامج الذي كان يملأ الدنيا جعيرا وصراخا بأنه خبص في الاختبار ولم يذاكر بما فيه الكفاية، لنجده يحصد نتيجة فلكية تجعل الكل إما حاقدا عليه أو حاسدا له، ولكن المهم أن ينجح بدون أن (يبان عليه).

ما علينا من كل هذا، ولكن ما أحضرني اليوم للمدونة هو شعور امتنان عظيم لكوني في الأربعينيات من عمري. نعم، دخول هذه المرحلة كان مخيفا في البداية، فأنت لم تعودي ثلاثينية، ذاك السن الذي تغنى به الشعراء ووصفوه بقمة النضج، كما أن هناك حديث لست متأكدة بمدى صحته يؤكد بأن أعمار أهل الجنة ثلاثة وثلاثون، مما يعطي انطباعا بأن الثلاثينيات هي القمة، وما بعدها هو تراجع تدريجي، كما أنني لازلت أذكر حين كنت صغيرة، كنت أشعر بأن سن الأربعين معناه بأن الشخص أصبح كبيرا جدا وما عليه سوى انتظار النهاية، أو كما يقولون (سبحة وسجادة ويالا حسن الختام). أما حين وصلت للأربعين وقصصت الشريط وبدأت أخوض غمار هذه السن، اكتشفت أنه ليس فقط (الأمر ليس بذاك السوء)، وإنما هناك متعة غريبة لم أكن أبدا انتظرها، ووجدت هناك عدة ميزات لهذه السن تجعلني لو كان لدي قوة سحرية لتحقيق أمنية واحدة لطلبت تجميد الأربعينيات وقضيت فيها ما كتب الله لي من عمر. لن أختار العشرينيات رغم أنها كانت سن إنجابي لأولادي والسن التي بدأت فيها مشواري الوظيفي، ولن اختار ثلاثينياتي وهي السن التي حققت فيها درجة الدكتوراة وكنت خلالها أكتب وأقدم برنامج (نون النسوة) الذي كان علامة فارقة في حياتي، وبالطبع لن أختار مراهقتي لأنني حقيقة لا أعرف كيف تحملتني خلالها أمي حبيبتي رحمها الله وأنا مراهقة كارهة لنفسها وللحياة، بل سأختار الأربعينيات، السن التي ما إن دخلتها حتى ارتفع لدي منسوب ال (طز) بطريقة لم أخالها يوما ممكنة. وحتى أكون شفافة مع نفسي أولا، لست من النوع الذي لا يهتم إطلاقا برأي الآخرين، وبالعكس، عانيت كثيرا من (متلازمة المحتال) وكنت دائما أشعر بأن أي نجاح أحققه ليس نتيجة لتوفيق الله أولا ثم لمجهودي، وإنما لأن الناس غافلون عن حقيقتي وسيكتشفون أمري لاحقا، ولكن فعليا كلما أمعنت في الأربعينيات، كلما زادت ثقتي في نفسي بطريقة تلقائية، أتعلمون ثقة الطالب الذي حفظ المنهج عن ظهر قلب ولو سألته أي سؤال سيجيبك؟ نعم، هو هذا النوع من الثقة المبني على مكتسبات حققها الشخص لنفسه، على تجارب كثيرة مر بها وصقلته وعلمته، على تحديات مرت عليه وبعضها هزه من الداخل وقلب عالمه، فحين تأتي التحديات الآن يواجهها بثقة العارف، وبالطبع، إذا لم نعجب أحدا في هذه السن فكمية ال (طز) التي سنشعر بها مريحة ورائعة، نعم لا أرغب بأن أعجبك، هذا أصلا ليس مهما، نعم سأتعلم واكتسب مهارات لآخر يوم في عمري، ولكن مهارة (كيف تكون بيتزا مرجريتا يحبك كل سكان الكرة الأرضية) لن تكون إحداها.

أكاد أيضا أجزم بأن الأربعينيات حاليا هي the new twenties أو العشرينيات الجديدة. السيدات الأربعينيات هذه الأيام هن الأجمل والأكثر تألقا، وقطعا إجراءات التجميل ليست هي السبب وإن كانت فعليا قد أسهمت في تأخير علامات التقدم في العمر، ولكن التوهج والتألق لا علاقة له بالخارج، لمعان العيون ووسع الابتسامة لا علاقة لهما بابتسامة هوليوود والتي تجعل الشخص مثل الدراكولا، إنما هو ذاك التوهج الناجم عن النضج والثقة، عن الخبرة والحكمة ومعرفة القيمة. أنا هنا بالطبع أتحدث عن فئة الأربعينيات الناضجات اللواتي طورن أنفسهن وعملن عليها، ولا أتحدث قطعا عن تلك التي تراها لأول مرة بعد عشرين سنة وتجدها تعلك نفس المواضيع بنفس الطريقة دون أي جديد، ولكن هذه المرة بشفاه أنهكها الفيلر ففرت من مكانها وخدود كالكراسي يتوسطهم أنف شديد الاستقامة تم طلبه من الكاتلوج وفصل على المقاس. من أتحدث عنهن هن اللواتي خضن الحياة بتجارب عدة، فتلك سيدة منزل ربت أولادها الكبار ولازال لديها ذاك الطفل الصغير الذي تسميه فاكهة المنزل، وتجدها مواكبة وحريصة على تثقيف نفسها فيكون الحديث معها متعة للقلب، وتلك سيدة الأعمال التي وصلت لإدراج شركتها في سوق الأسهم ولازالت شغوفة للتعلم، والأخرى بعد سنوات سجلت في برنامج ماجستير لتطوير نفسها ولم تدع أحدا يقول لها (بعد ما شاب ودوه الكتاب)، والأخرى لم تتزوج ولكنها راضية ومنسجمة مع وضعها وحققت الكثير من النجاحات ولديها أبناء أخوان وأخوات يعشقونها ويعتبرونها والدتهم، وغيرهن الكثير.

وصف القرآن الكريم سن الأربعين بأنه السن الذي يبلغ فيه الإنسان أشده، ولطالما أذهلتني هذه الآية ببلاغتها وعمق معناها، وأصبحت أراقب نفسي ومن حولي، وفعلا، صفات الإنسان تصل ذروتها في هذا العمر، فالحكيم تزداد حكمته ويزدان منطقه، والجميلة تتألق تألقا آسرا وبديعا، والناجح قد يصل لقمة نجاحه، وشخصيا أرى أن الذروة لا تعني أن بعدها انحدار، فقد يستمر التصاعد، أما إذا بلغ الإنسان هذا العمر ولازال طائشا ويتصرف بطفولية وعنجهية، فاسأل الله له السلامة وأن يبعده عن طريقي، لأني اعترف يأن أحد إرهاصات الأربعينات لدي هو قلة تحملي للطيش والحديث البعيد عن المنطق والآراء القديمة المكررة، أكاد أجزم أن سماعي للآراء المعلوكة والمكررة يصيبني بتسمم السمع، وهي حالة تتمنى أن يتوقف الشخص فيها عن الحديث وأن تحصل قوة خارقة تسحبك من مكانك حتى لا تضطر للاستماع للهراء، فرفقا بالأربعينيات.

نعم، هن الأربعينيات، الصغيرات الكبيرات، الفاتنات الحكيمات، هن ملح الحياة، ولا أدري إذا مد الله في عمري لما بعد ذلك ماذا سأقول، ووقتها لكل حادث حديث.

ودمتم،

هتون، ١/٨/٢٠٢٤