حين كنت أصغر عمرا، لطالما كنت مأخوذة بسحر البدايات. ذاك الألق والسحر اللذان يصاحبان البدايات الجديدة خاصة تلك التي أوتينا مفاتحها ولا يشوبها الخوف من المجهول قدر ترقب المتعة، فلا أجمل من بدايات الحب بعد الشعور بفراشاته، بدايات التحضير لرحلة طال انتظارها، بداية وظيفة جديدة كانت تبدو كالحلم. ولكني تغيرت، حقيقة لا أعرف مصدر هذا التغيير، هل هو مرور السنوات؟ الفقد؟ تراكم الخبرة واتساع الأفق والذي قلل فرص الدهشة؟ لعلها كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن ما أعرفه حق اليقين هو أني تغيرت.
لازالت روحي متوقدة وأرغب دائما بتعلم واستكشاف الجديد ولا شئ يوقفني عن ذلك، ولكن حس استشعار التبعات أصبح عندي قويا بطريقة قد يراها البعض قاتلة للمتعة، وأراها أنا بعد نظر وبصيرة. حسنا فقط لأوضح، هنا في المدونة تتجلى “هتونيتي” التي في كثير من الأحيان لا تخضع لمنطق معين، وأعطي لنفسي الحق بما أنها مساحتي الخاصة أن أهرطق فيها كما أشاء، ومن يقرأني غالبا ما يكون يعرفني، أما من يقرأني أول مرة فحياك الله، ولكن تريث قبل أن تحكم، وخذ لفة سريعة على باقي المدونة، وأنصحك بتدوينة “مقاسك كبيييييييير”، فإذا ضحكت منها فستسامحني على الباقي. عودة لموضوعنا، تنامى عندي حس استشعار التبعات مع الوقت، وأصبحت أدرك تماما معنى محدودية وقتنا على هذه البسيطة. فبعد الأربعين، والذي بالمناسبة هو السن الذي أود تجميده وقضاء ما تبقى لي من عمر أرتع في جمالياته ورونقه، بدأت أدرك أنه مهما مد الله في عمرنا، فما تبقى لن يكون كما سبق، فإذا كانت لدى العشريني طاقة لتحمل مكان عمل صعب وشاق ولكنه يحمل الكثير من الخبرات، فالأربعيني قد يقدر على هذا ولكنه لا يرغب، وذلك لأنه لا يستشعر الفائدة من ذلك، أما العشريني فهذه خبرة متراكمة، وللحق، دائما ما أنصح العشرينيين بخوض التجارب في العمل وتجنب عبارات مثل “لازم أحط حدود قوية” “ممنوع أحد يستغلني” “ما أسمح أحد يكلمني أو يطلب مني شغل خارج أوقات العمل” فهذا لن يخدمك، فإذا كانوا يستغلونك لأنك صغير وغض، فأنت مستفيد لأنك تكسب خبرة وعلاقات لن يكتسبها زميلك ذي الحدود المرسومة بالفرجار ومثلث علبة الهندسة، وستكون فرصك أكبر في الترقي والانتقالات لأماكن عمل أفضل، ما أقصده هنا هي أن تجعل عقليتك متفتحة وترى الفرص ووسعها وليس الحدود وضيقها، هذا موضوع طويل لعلي أناقشه لاحقا، ولكن لنعد لبني جلدتي الأربعينيين، نحن لسنا مستعدون لذلك، لم نعد بحاجة للتصفيق كما كنا في عشرينياتنا، الآن نحن نتطلع لفرص نمو وتطوير منا نحن لأماكن عملنا، نحن نسعى لخلق الأثر وإحداث التغيير، ولازلنا نتعلم ونحضر الدورات وورش العمل، وأصبحنا نعطيها وندرسها كذلك، إذا لا وقت لدينا لإهداره، لن نقفز عند أول فرصة للانضمام للشركة التي يبدو إسمها كالحلم ونتطلع لسحر البدايات، فقد حلمنا وانتهينا، نحن نستشعر ما بعد ذلك، وهذه بصيرة، ولا مش بصيرة؟ نحسبها كذلك والله حسيبها. إذا لا مزيد من الانبهار بالانضمام لمكان ما، لن أشتري العباءة الجديدة والحذاء الملمع وأنام بالليل وأنا أحلم بأول يوم عمل، لنرى ما تحمله هذه الفرصة وبعدها لكل حادث حديث.
أما ألق البدايات في العلاقات. لطالما كان هذا هو السحر الأخاذ، إنها الفراشات والترقب، إنها تلك الحالة التي يتسيدها الدوبامين ويحكمها كمية الأوكسيتوسين في الدماغ والتي تجعل الشخص في حالة من انعدام المنطق ولا يرى الدنيا سوى “بمبي بمبي بمبي بمبييييييي” كما غنت سندريلا الشاشة سعاد حسني رحمها الله بصوتها العذب في فيلمها الشهير “أميرة حبي أنا”. هذه الحالة، ورغم جمالها وشعورها الذي يجعل الشخص خفيفا وكأنه طائر في سماء زرقاء مفتوحة لا يحدها شئ، ليست هي أبدا القضية، فلا جدال في أنها حالة شعورية يستحق كل كائن حي أن يعيشها، والسؤال هنا ليس سؤال المرا هقين الحزين “هل ستستمر؟؟”، فالكبار يعرفون أن هذه الحالة من المستحيل أن تستمر، وليس من المطلوب منها أصلا أن تستمر. تخيلوا معي أن كل المتزوجين المسؤولين يعيشون في حالة دائمة من الطيران والهيمان ويترقبون كلمة أو إشارة من المحبوب؟ من سيعمر الكون حينها؟ هي حالة تعاش ومن الممكن تجديدها ولكن استمرارها معناها أن الكون سيصبح عبارة عن جحافل من الصم البكم العمي الذين لا يعقلون، إذا هذا ليس المهم. ما يجعلني أتسائل وأتفكر هو متى ستصل العلاقة لحالة النضج؟ متى ستتراكم الذكريات؟ متى سيرتفع رصيد المحبة والمودة وتصبح العلاقة متينة وصلبة لا تهددها الأزمات العابرة؟ الفراشات وألق البدايات سهل، ولكن التفاهم والتناغم والفهم من نظرة واحدة وذاك التخاطب العقلي الذي لا يأتي إلا بفهم الطرف الاخر فهما عميقا، متى سيكون؟ هل هناك وقت لذلك؟ لا أرغب أبدا بأن أكون متشائمة أو قاتلة لمتعة الترقب، ومقتنعة تماما أنه من الطبيعي جدا أن يبدأ الإنسان علاقة جديدة في أي مرحلة عمرية، ولكني لا أستطيع منع نفسي من التفكير فيما إذا كان من الممكن أن تصل العلاقة في فترة زمنية محدودة لذاك النضج الذي يستوجب سنوات وسنوات من المواقف والذكريات المشتركة. ولا أخفيكم أنني أسأل نفسي، ماهي الحدود هنا بين التفاؤل الذي هو وقود استمرار الحياة رغم الصعوبات وبين الواقعية والتي تفرق بين الشخص الحالم والشخص الثابت على الأرض؟ ماهي الخلطة السحرية التي ستجعل قلبك غضا طريا قابلا لإعادة التشكل وتقبل الجديد وبين سيطرتك على هذا القلب بتطويع العقل ليحكمه فلا يذهب بك في داهية لا تعلم لها آخرا أو قرارا؟
أو لعلي فعلا أقتل المتعة، إذا سأتوقف هنا وأراكم في تدوينة لاحقة.
هتون
١٧/١/٢٠٢٦