خلاصة RSS

Monthly Archives: أكتوبر 2023

الفريدة ومدام ليلى

الزمان: صيف سنة ١٩٩٥

المكان: الاسكندرية

أحد المشتركات بين حبيبي زهير ومعشوقتي فريدة هو السفر. وقد أنعم الله عليهم بستة من الأبناء، فكانوا يخططون كل عام لسفرة يذهب فيها الجميع للترويح عن أنفسهم، ونعم، لم يتركونا يوما، دائما كنا نسافر معا. في تلك السنة، حجز بابا رحلة للاسكندرية يسبقها أيام قليلة في القاهرة والتي كان هو لا يحبذها نظرا للازدحام الشديد، ومع أن الاسكندرية لم تكن أقل ازدحاما، إلا أن وجود البحر والأنشطة الشاطئية كان بالنسبة لنا شيئا رائعا. أما الفريدة، والتي كان ديدنها البحث عن مواطن الاستمتاع فكانت تعرف تماما كيف تجعل الرحلة ممتعة بشتى الطرق. كنا نأخذ شقة في أحد عمائر الاسكندرية المطلة على البحر ونقضي فيها أسبوعين، والمتعة الأساسية هي المشي يوميا على الكورنيش مع الفريدة. كانت بأناقتها المعهودة تأخذنا كل يوم ونمشي بلا نهاية نستمتع بفعاليات الكورنيش ونأكل الآيسكريم ثم يوافينا الوالد لتناول العشاء في أحد المطاعم، وكنت أنا وهبه، دودتا الكتب نذهب معها لمحطة الرمل ونتسوق من بسطات الكتب والمكتبات الصغيرة ونتناول القهوة والمعجنات في كافيه جروبي العريق. باختصار، فرودة كانت تصنع من أبسط الأماكن متعا عظيمة، وتبحث في الأزقة الضيقة عن محلات وأماكن ممتعة للاكتشاف والتسوق، فطبعا يجب أن تعود لأخواتها وإخوانها محملة بما يحبون من الهدايا لهم ولأبنائهم.

وبعد الأسبوعين والتي اكتفينا فيها بالتفرج على البحر، جاء وقت السباحة. ولهذا، استأجر والدي شقة في شاطئ العجمي، تمتلكها سيدة ارستقراطية تخالها إحدى هوانم جاردن سيتي نسخة حي زيزينيا بالاسكندرية. مدام ليلى كانت تمتلك صالة ترفيهية أو ما اصطلح على تسميته قديما بالكباريه، تغير الزمن وتغيرت هي ولكنها لازالت كما يقولون (عندها خير)وتعيش عيشة أقرب للرفاهية. تزوجت متأخرا برجل يصغرها كثيرا في العمر، ولا أبناء لديها. قامت مدام ليلى باستقبالنا وأعطتنا المفاتيح وأرشدتنا لأماكن التسوق القريبة وطرق الوصول للشاطئ، وكالعادة، وهذا ما اعتدنا عليه أنا وأخواتي منذ الأزل:

مدام ليلى وهي تنظر إلينا نحن الستة غير مصدقة: ما تقوليش دول ولادك

الفريدة بابتسامة المعتاد وبفخر تحاول ألا يظهر: إيوة أولادي، قولي ماشاء الله

مدام ليلى: الله أكبر الله أكبر، مش معقول، انت حلوة وشقرا زي ما تكوني أمريكانية، وعودك اللهم صلي على النبي مانيكان، ومافيش حد فيهم حلو زيك أو حتى شبهك، ايه يا بنات، ما طلعتوش حلوين زي ماما ليه؟

وكالعادة أيضا، أصبحت مدام ليلى صديقة للفريدة، تتحدثان وتتسامران وتتزاوران كأنهن يعرفن بعضهن منذ سنوات. كانت مدام ليلى منبهرة بجمال فريدة الأخاذ الغير اعتيادي، وأكثر ببساطتها وتدينها الناعم المتمثل بحفاظها على الصلوات والسنن ومسبحتها التي لا تنزل من يدها. وخلال الأحاديث، وبطريقة ناعمة جدا بدأ الحديث بينهن عن الدين.

مدام ليلى: والله يا فريدة أنا مش عارفة، متعودتش أصلي، يعني بصلي في رمضان، بس كل يوم؟ ازاي؟ ما اتعودتش

الفريدة: يا مدام ليلى مافي شي الواحد ما يتعلمه، ابدأي شوية شوية، أهم شي التزمي بالفروض، والله يا مدام ليلى الصلاة تفتح لك أبواب، المسلم لازم يصلي، ما ينفع نصوم ما نصلي، شوفي أنا حأعطيكي شرشف الصلاة، ومن بكرة نبدأ نصلي كل فرض

مدام ليلى: طيب يا فريدة، ححاول ولو ما قدرتش يبقى ربنا يسامحني

الفريدة: ابدأي وربنا يعينك، وبعدين بإذن الله بعد ما أرجع، سوي تأشيرة عمرة وتعالي عندي لا تاخدي فندق ولا شي، تجي عندي في البيت والسواق يوديكي العمرة

مدام ليلى: والله فكرة يا فريدة، أنا عايزة أحج والله بس حآجي أعمل عمرة ونشوف بعدها

ومن بعدها، مدام ليلى، الطيبة النقية، والتي لم تكن بحاجة لشئ سوى لأسلوب فريد تمثل لها في الفريدة لتلزم الصلاة وتصبح العمرة السنوية عادة لها التزمت بها حتى وافاها الأجل بعدها بعشر سنوات لم تتخلف فيها عن العمرة أبدا، وأدت أيضا فريضة الحج ولاقت وجهه تعالى مصلية لفرضه وحاجة لبيته.

حبيبتي فريدة، أرجو أن تكوني التقيت بمدام ليلى هناك في دار الحق، ونشهد الله وهو خير الشاهدين، أنك كنت داعية فريدة من نوعها، داعية أنيقة وصغيرة وجميلة لم تقل عن نفسها يوما أنها كذلك، ولم تغضب أحدا أو ترى أنها أفضل من غيرها، أعلى الله درجاتك في عليين يا حبيبتي وجمعنا بك عند مستقر رحمته.

هتون

ماذا يعني أن ترحل فريدة

الفريدة بصوت متعب: أم حسن، كيف حالك؟

أم حسن: الحمد لله يا فرندس، إنت كيف حالك، وه سلامتك اشبه صوتك؟

الفريدة وصوتها يزداد تعبا: لا لا ولا شي أنا زي الفل، بس كنت صايمة ورحت قضيت من البقالة ورجعت فطرت، أظن بس أحتاج أنام شوية، قوليلي إنت أيش مشتهية؟ أنا بكرة البنات ومحمد جيين يتغدوا وحنسوي سمك، أجيبلك سمك؟

أم حسن: الله يا فرندس والله مشتهيينه، طيب جزاك الله خير

الفريدة مستطردة رغم التعب: طيب يا أم حسن، أرسلي ولدك ياخد السمك، وحأرسل موسى البقالة كمان يجيبلك جبنة فرنسية اللي تحبيها، وبالعافية عليكم

أم حسن بصوتها المرح المعتاد: يا حبيبتي يا فرندس، بالله عليك لا تموتي قبلي والله أنا انقطع من بعدك

الفريدة: بس يا أم حسن، محد ينقطع وربنا موجود، قولي خير

أنهت الفريدة المكالمة، وقامت وهي تقول لنفسها، كما كانت تقول دائما عند أي بادرة تعب(بس اتسدح وأنام شوية وأحط زيت نعناع، وحصير طيبة)، وكان مخططها أن ترتاح قليلا بعد أن أفطرت ومن بعدها تلبس وتضع مكياجها وعطرها الفاخر وتذهب لتسمر مع صديقاتها (بيت الشافعي)، وكانت هي البداية. جلطة في القلب، تبعها تحسن ملحوظ، ليتبعه تدهور لتنته القصة كلها في غضون أسبوعين، وترحل الفريدة يوم الخميس، ١٢/١٠/٢٠٢٣، رحيلا فريدا يشبه كثيرا حياتها الفريدة. رحيل خفيف لم تغب فيه عن الوعي لحظة، رحيل كان آخره صدقة جميلة من أحب ما لديها ومما تطعم به أهل بيتها، رحيل صلت قبله كل فروضها، رحيل لم تذق فيه حتى سكرات الموت، فقط أغمضت عينيها ورحلت.

وآه من حرقة رحيلها. نعم تمرض فريدة، أين المشكلة؟ كثيرون غيرها مرضوا وقاموا، ما ألم بها لم يكن جديدا أو فريدا، ولكن لأنها فريدة من نوعها وواحدة لا تتكرر، حصل معها ماقد لا يحصل للآلاف غيرها. طلبت هذه الجميلة الباهية من ربها أن يحييها الحياة الطيبة وأن لا تحتاج لأحد في حياتها. سألته أن يمتعها بحواسها، وكان لها ماسألت. طلبته أن لا تحرم من الأشياء التي تحبها، فكان لها أن سافرت وتسوقت وحضرت مناسبات أحبابها وخططت للقادم منها، وكان لها ما طلبت، فحين لاحت بوادر تغير أسلوب حياتها بعد تعب قلبها، توقف القلب وأعلن رحيل الفريدة. نعم، هذه الباهية لا يليق بيديها الناعمتين الإبر والأنابيب. هل رأيتم يوما يدا جميلة صغيرة مزينة بخواتم الألماس بأظافر مشذبة بعناية، وعلى طرف اليد خاتم التسبيح حتى يذكرها بأورادها التي لا تنتهي آناء الليل وأطراف النهار؟ هل رأيتم لسانا يهش ويبش ويحكي الحكاية تلو الحكاية فيسعد الجميع ويضحك، وبين الضحكة والأخرى تراجع ما تحفظ من القرآن؟ هل رأيتم يوما سخاء وقلبا كبيرا يشتري الهدايا الفاخرة بإحسان للجميع ويتصدق صدقات جميلة بنفس القدر ونفس البهاء؟

كانت فريدتي عاشقة للحياة، ومتيمة بربها وبحبيبه المصطفى. فهمت لعبة الحياة، فحيزت لها وخضعت، ورحلت بيد عليا تاركة كل زائل. فريدة لا تموت، فريدة ترتقي، تصعد روحها الطاهرة لرب أحبته وعبدته وسألته فأعطاها، خضعت لها الدنيا لأنها كانت تعمل للآخرة، أرى مجوهراتها تتمنى أن تلبسها، وعطورها تلتمس العبق من ريحها الطيب، وحللها الأنيقة تزداد بهاء ورونقا من جمالها الذي لا أظنه يتكرر. قد يقولون بأن جمال الأمهات يحس ولا يرى، لكن جمال فريدتي كان خاطفا للأنظار، وروحها آسرة للقلوب، حيزت لك يا حبيبتي الدنيا، فتركتها مترقية لدار أدوم عند رب لا تعزين عليه. فقط نطلب منك حين يطيب لقاءك بأحبائك في دار الحق، أن تزورينا وتتفضلي علينا برؤيا تبل قلوبنا المشتاقة لمحياك الغض، فيا رب اجبرنا في حبيبتنا فإن ألم فراقها مر وصعب. حتى عزاء فريدة مختلف، هل رأيتم يوما أصحاب عزاء يعزون المعزين؟ نعم هذا كان حالنا مع كل من يدخل علينا باكيا مصدوما بقول (هذه مو صاحبتي، هذه حبيبتي).

طبت حية ومترقية يا فريدتي، يا حبيبتي، يانور عيني الذي لا ينطفئ، وموعدنا بإذن الله في جنة لا وصب فيها ولا نصب.

هتون