أسعد الله أوقاتكم بكل الخير أعزائي القراء. كيف هي أحوالكم؟ وكيف هي فعاليات العيد معكم؟ عن نفسي فأنا ولله الحمد في حال جيد جدا وليس ممتازا، وذلك لأنني اكتشفت بأن عاملتي المنزلية هداها الله لم تبلغني بوجود قطعة كاملة من كبد الأضحية موجودة في الثلاجة، وطبعا حين اكتشفتها كانت قد فسدت تماما، وهذا لعمرك هو الهدر الكبير، فالكبد الطازج لمن يحبه هو من ألذ أطباق العيد، وقد حسبت أنه ذهب مع ثلث الصدقة في حين أنها لسبب لا أعلمه خزنته في الثلاجة، ولأنني هذه الأيام سيدة منزل فقط، فهذا الاكتشاف هو أمر جلل. وما زاد الطين بلة هو أن هذا الاكتشاف جاء نواة لاضطراري للعمل المنزلي بعد أن أخذت العاملة إجازة عيد مفتوحة، مما اضطرني للقيام بالأعمال المنزلية والتي من المعروف لمن يقرأني ويشاهدني منذ ردح من الزمن أنني أكرهها كرها شديدا.
نعم، أنا استخدم لفظ الكراهية رغم أنه شعور قوي جدا، ولكنني لا أجد وصفا لحالي مع الأعمال المنزلية سوى الكره. يعلم الله أن كل مشي في سبيل العمل المنزلي هو وعثاء وكدر، وكل انحناءة هي استهلاك للرصيد العضلي الذي أبنيه بالتمارين الرياضية عالية ومتوسطة الشدة، وكل ملء وتفريغ لماء التنظيف أسكب معه لعنات صامتة لهذا العمل الكريه الذي لا تستقيم الحياة دونه. الغريب في الموضوع هو أن هذا العمل له محبين وعشاق. قد يعتقد البعض بأن العاملات المنزليات حتما يكرهن العمل لولا الاضطرار، ولكن كثير منهن يرونه جزءا طبيعيا من الحياة ويمارسنه بمزاج. وهناك سيدات منزل يعشقن التنظيف والكنس والمسح والفرك، ويبتكرن الأساليب لتلميع التحف وتنظيف الأجهزة ودعك وشطف الأدوات الصحية في الحمامات، وحقيقة أجد نفسي أغبطهن وبشدة على هذا الشعور. أتخيل نفسي وأنا اتجه بابتسامة عريضة نحو المكنسة وكأنني ذاهبة لموعد غرامي، واتعامل مع المنظفات كتعاملي مع أرقى العطورات الشرقية، واهتم بكي وطي الملابس وكأنني أجهز ملابس العيد، والله كان حالي سيكون أفضل مما أنا فيه. ولكن هيهات. أيام الابتعاث وحين لم تكن عندي عاملة منزلية مقيمة، كنت أقوم بتكنيكات حتى أتمكن من السيطرة على وضع البيت والتأكد من نظافته الدائمة. كنت استيقظ باكرا وأوقظ الأولاد ليتناولوا إفطارهم والذي خلاله أقوم أكرمكم الله بتنظيف الحمامات وتعقيمها قبل أن انتقل لترتيب الغرف والتي كنت أشرك فيها الأولاد بقدر ما يسمح به عمرهم، واتأكد من تنظيف وترتيب الصالة وأن المقاعد والأدوات في أماكنها، كل هذا حتى لا أعود للمنزل وأجده مكركبا وغير نظيف فيضيق صدري وتنتابني رغبة عارمة بالهرب، وكنت استعين بعاملة تأتي قدر استطاعتها لتنظف وتنفض ما لا يسعني تنظيفه خلال وقتي المحدود في البيت، وكنت دائما أصبر نفسي أنه وضع مؤقت، وأنني بإذن الله لن اضطر له أبدا.
لقد جربت كل الأساليب لأحب هذا العمل. جربت تقنيات fake it until you make it (ادعي حتى تتقن) وفشلت، قررت أن أسمع أغاني المفضلة وبرامج البودكاست ووجدت أنني بدأت أكره المنتجات السمعية تلك لارتباطها بالعمل الذي أبغض، جربت تسهيل العمل على نفسي باستخدام أدوات التنظيف السهلة ومكنسة البخار ولم يزدني ذلك إلا غيظا وكدرا، فماذا عساي أفعل؟ وما يرفع ضغطي أكثر وأكثر هو أي حوار يمجد فيه العمل المنزلي، لدرجة أنه دار حوار بيني وبين أحد الأشخاص عن خطبته لامرأة ومن ثم فسخها. وحين سألته عن الأسباب، قال لي بأنها لا ترغب بالعناية بالمنزل. سألته وكيف ذلك؟ قال بأنها أعربت عن عدم رغبتها بتنظيف المنزل. وطبعا ونظرا لحقدي الأزلي على هذا العمل وجدت رأسي يفور والمنطق يهرب مني، وببساطة قلت له، هل تتخيل إنسانة اجتهدت على نفسها وعملت على تطويرها وترغب ببناء علاقة صحية مع شريك محتمل فتجده بدل أن يناقشها في علاقتهم الزوجية وديناميكيتها المحتملة وعن نظرتها للحياة من ناحية عاطفية ومالية وأسرية، تجده يقول لها هل ستكنسين وتمسحين وتنفضين الغبار😤؟ قلت له أن العناية بالمنزل لا تستوجب العمل باليد بالضرورة، بل بالحرص على نظافته وجعله سكنا جميلا ومريحا بأي وسيلة تراها هي مناسبة، والتي من ضمنها الاستعانة بالعاملات وشركات التنظيف العميق، وواجب الزوجين هو خلق بيت جميل ومريح بهي الطلعة زكي الرائحة يرتاحان فيه لا يشقيان بالعمل والجري. ألا تعلم عزيزي بأن القادة لا ينبغي لهم أن ينخرطوا بالعمل باليد؟ ألم يرد إلى علمك بأن صاحب الرؤية هو من يستطيع الاستعانة بفريق يساعده لتحقيق هذه الغاية ويكون هو مصدر توجيه وإلهام لهم؟ ألا ترى زوجتك المستقبلية قائدة وموجهة وتحت يدها فريق يساعدها ليكون بيتكم وفق رؤيتكم المشتركة؟ أما أن تقول لها (ست البيت الشاطرة تنظف بنفسها) فعادي أن تقول لك قاتل الله تلك الشطارة واذهب واخطب إحدى عاشقات هذا العمل واتركني في حالي. ولا أخفيكم أنني تمنيت له في نفسي زوجة تعاني من وسواس النظافة وتعقم كل شئ وإذا كنست البساط في اتجاه تمنعه من المشي عكسه حتى لا يفسد شكله، وتقوم بتنفيض الكنب إذا قام منه فيشعر بأنه ملوث وإن لم تقل له ذلك صراحة، وتمنعه من التمدد على السرير بعد أن رتبته لأن كل شئ عندها بمواعيد، وتخلق له المشاكل إذا ترك قطرات ماء وراءه على الحوض بعد أن استخدمه (بالمناسبة، لا تفعل ذلك، دائما تأكد من تنشيف الحوض بعد الاستخدام😬)، وقد تنقل متاعه للحمام الآخر في البيت إذا كرر نقيصة عدم إقفال معجون الأسنان بعد استخدامه (بالمناسبة أيضا، لا تفعل ذلك أبدا فالمنظر مقزز ومزعج حتى للزوجة الغير موسوسة😂).
الشاهد في الموضوع أن هذا العمل شاق وغير مفيد. يشبهه البعض بالتمارين الرياضية، وهذه إحدى أكبر الكذبات في التاريخ. فالعمل المنزلي يرهق ويتعب ولا يحرق الكثير من السعرات، إنما قد يضر بالجسم وذلك لاضطرار الشخص الذي ينظف للانحناء بطريقة غير صحية ولرفع بعض الأثقال بأسلوب قد يضر بالعظام والعضلات. وحقيقة مالم يحل الذكاء الصناعي معضلة الأعمال المنزلية فلن اعترف بفائدته، ومالم يتم اختراع بيوت تتنظف وتتعقم ذاتيا فلا زال أمامنا درب طويل لجعل هذا العالم مكانا أفضل للعيش.
ودمتم،
هتون قاضي