خلاصة RSS

Category Archives: المقالات

كفاية أم لست كفاية

“ماشاء الله يا هتون، قاعدة كدة ومريحة، شفت كم بحث اتنشر في هذه اللحظات اللي انت ما بتسوي فيها شي؟ عاجبك سجل الأبحاث حقك والبحوث اللي بدأتيها وما نشرتيها لسة؟ خيبة”

يلح علي هذا الصوت وأنا مستلقية على الكنبة بعد يوم طويل قضيته في العمل. ينخر دماغي فأحاول إسكاته بتذكير نفسي بكل كلمات التلطف بالذات التي أعرفها ولكن لا يحضرني منها شئ. أحاول مجددا تجاهل الصوت لاستمتع باللحظة المستقطعة آملة التمتع بحلقة من المسلسل الذي بدأته من شهر ولم أجد وقتا لإكماله، لكن رأسي الذي كان مستلقيا أجده يلح علي بالقيام والعمل بدل التبطح على الكنب، من قال بأن التبطح لك يا هتون؟ هذا الاستلقاء والراحة فقط للمنجزين وليس لك، قومي حالا وادفعي عجلة التنمية.

حسنا، قمت ودفعت تلك العجلة المتعطلة. حضرت محاضراتي وأضفت وسائل جديدة ومقالات مفيدة للطلاب والطالبات، عملت على البحث المعلق وأنجزت فيه قليلا، ليس جاهزا للنشر بعد، ولكن على الأقل أستطيع القول لنفسي أنني ولو لحد ما ساهمت في إثراء البشرية ولعلي سأترك أثرا طيبا، لعلي. هلمي إلى الكنبة يا هتون، المسلسل ينتظرك.

استلقيت على الكنبة وشغلت المسلسل، نظرت للسقف لاكتشف بأنني ومنذ سكنت شقتي منذ خمس سنوات لم أحضر الكهربائي لإخفاء الأسلاك الغير مستخدمة مكان النجفة التي قررت أنني لن اشتريها. يممت بصري تجاه الجزء الآخر من الغرفة، لتقع عيني على البقعة التي أحاول تجاهلها من الغرفة. فمنذ أن جاء الكهربائي لإصلاح التكييف والذي لا يفتأ يحتاج صيانة، وجزء السقف الذي أزاله لازال بحاجة لعامل جبس لإصلاحه. ماشاء الله يا هتون، ها أنت لم تنشري البحث ولم تصلحي السقف، ولازال لديك رغبة بالاستلقاء على الكنبة؟ ما أكسلك، والله إنك لعار على السترونغ اندبندنت وومنز (النساء المستقلات القويات في رواية أخرى).

حسنا، هيا يا هتون قومي من هذه الغفوة وافعلي شيئا مفيدا. اقرئي كتابا. الحمد لله على هذه النعمة. القراءة إحدى متعي الصرفة في الحياة، وميزتها أنني لا أشعر بالذنب حيالها، فأنا على الأقل أثري دماغي والذي عليه بدوره إثراء البشرية والمساهمة في جعل كوكب الأرض مكانا أفضل.

أقرأ في الكتاب معلومات عن عالم أحياء في مكان ما. أقفل الكتاب وأبحث عن هذا العالم في جوجل. لاكتشف بأن له اكتشافات في عالم الطب أنقذت البشرية. اتنقل بعدها للقراءة عن عالم فيزياء أسهم في ثورة الصواريخ واكتشاف الفضاء، لانتقل منه لعالم اقتصادي نشر مئات الأبحاث وابتكر نظرية اقتصادية تكاد تكون هي المحرك للاقتصاد الحديث. ماشاء الله يا هتون، لازلت تجلسين في كنبتك، أنت وأمثالك هم سبب تدهور حال العالمين العربي والإسلامي.

أقوم من كنبتي وأنجز شيئا لا أعلم ماهو، لعلي ضربت موعدا للعامل لإصلاح السقف. أعود للاستلقاء على الكنبة وأقلب في الهاتف لأجد صورا لأزواج سعداء. يا لحالك المائل الغير قابل للاعتدال يا هتون. ها أنت معطلة لعجلة التنمية، سقف بيتك يحتاج لإصلاح، لست بتلك الكفاءة في أي شئ عملتيه، ولازلت عزباء منذ سنوات توقفت عن عدها من كثرتها. بالتأكيد هو خطأك، انظري حولك، العالم يتحرك، من هم أصغر منك سنا وأقل خبرة نجحوا فيما أنت فيه فاشلة، قومي وافعلي شيئا.

أقوم محاولة إخماد هذا الضجيج في دماغي. أخبز كعكة ويأتي أولادي للمطبخ للاستفسار عن الرائحة الزكية، أشعر بالرضا من نظرات السعادة على وجوههم، الحمد لله فوالدتهم مفيدة، على الأقل تصنع كعكا لذيذا، الحمد لله، لست بذاك السوء. إلى الكنبة.

ها أنا الآن وقد أنجزت، ربما استطيع الاستمتاع بالمسلسل. أبدأ المشاهدة وأضع الهاتف جانبا، فجأة أجد صورة من مذكرات الهاتف قبل ٤ سنوات أثناء تصوير آخر حلقات نون النسوة. ماشاء الله يا هتون. أراضية أنت عن نفسك؟ لماذا لم تكملي المشوار؟ لماذا لم تستغلي ما متعك الله به من مواهب؟ يقول لي دماغي بأني حاولت ولازلت أحاول، أقول له انظر للمشاريع الشبه مكتملة ولكن لعل وقتها لم يأت، يتعاظم صوت اللوم على صوت المنطق، وكالعادة يفوز.

يغلبني النوم من تثاقل رأسي المزدحم بالأفكار. استيقظ على الكنبة. تعاتبني نفسي على ما أفعله بها، تستجيب أحيانا وتتجاهل أحايين أخرى. وأعود لمحاولة مشاهدة المسلسل، ولحسن الحظ أنجح هذه المرة.

أغلى كوب قهوة

أكاد أجزم بأن القهوة ومزاجها وطقوسها عند عشاقها ومحبيها تشغل حيزا كبيرا من اهتمامهم وحديثهم لدرجة الملل أحيانا. تجد عاشق القهوة يتغزل في نوعية البن ودرجة حموضته ولماذا هو في الأساس يميل للحموضة وذلك عائد للأرض ونوعية التربة وووووو من المعلومات التي قد لا تراها مهمة، ولكنها بالنسبة له مسألة حساسة جدا. “ما علينا” منهم، أنا شخصيا أحتسي (عشاق القهوة يحتسون ولا يشربون، لا تغلط) القهوة السوداء منذ أن كنت في المرحلة المتوسطة. وقتها كنت أكتفي بالقهوة سريعة التحضير وأشربها على عجل، وأستطيع الجزم بأن حياتي تغيرت للأفضل حين اكتشفت القهوة المفلترة، يا ربااااه كيف كنت أشرب القهوة سريعة التحضير والتي تشبه عصير الفحم؟ من يومها دخلت ذاك العالم ولازلت ارتع فيه حتى الممات بإذن الله. ورغم عراقة تاريخي مع الفاتنة السوداء كما يسميها عشاقها الحديثون، إلا أن كوب القهوة بالنسبة لي ونوعية البن لا يتعدى كونه (قهوة لذيذة/غير لذيذة)، ولأبدأ صباحي فأنا أحتاج لقهوة لذيذة ممتازة، هذا كل شيء.

في أحد صباحات السبت والذي أقضيه عادة في بيت الوالد العامر بمكة المكرمة، استيقظت كعادتي في الصباح الباكر والكل نيام. كم أعشق هذا الوقت الهادئ والذي استفرد فيه بكل شيء، هدوء عجيب وشعور بملكية الوقت والمساحة لا يعيه سوى الصباحيين. المهم أنني توجهت مباشرة كعادتي لغلي الماء، وهذه الخطوة أقوم بها فور استيقاظي وذلك لأنني لا أصنع القهوة بمياه مغلية، يجب أن تفتر قليلا حتى لا تفسد طعم القهوة. قمت بتشغيل الغلاية وتوجهت لمخزن البن لتجهيزه قبل أن أقوم بباقي الطقوس حتى تفتر المياه وتصبح جاهزة. فتحت المخزن ولم أجد بنا. ماذا؟ لا يوجد بن؟ بحثت هنا وهناك، فتحت الثلاجة وقلبت في دهاليزها ولم أجد شيئا. يا للهول، لا يوجد بن. تملكتني مشاعر إحباط وخيبة كبيرتين. أتعرفون حين تجهزون جلستكم المفضلة على الكنبة في الليل ممنين أنفسكم بليلة نتفلكسية كسولة لا يعكر صفوها شيء وتكتشفون بأن الانترنت لا يعمل؟ نعم هو ذاك الشعور. بعد دقائق من رثاء النفس قلت لنفسي بأن علي أن أفعل شيئا (يا هتون قولي الحمد لله تقدري تسوقي وتجيبي بن أو تقدري تكلمي مرسول، هيا بلا دراما)، وفعلا، بما أن الجو جميل والسيارة متوفرة، فهيا لنحضر بعض البن من المقهى الشهير الموجود بمحطة الحي. خرجت من المنزل بابتسامة واسعة وتفاؤل صباحي قد يراه عشاق الليل مبالغة أو بمعنى آخر سماجة، فكيف لشخص أن يكون لديه كل هذا التفاؤل والطاقة في هذا الوقت الباكر؟ خرجت من الباب الكبير للمنزل وقبل أن أغلقه تذكرت بأن الوقت لا يزال باكرا والكل نيام وأنا لا مفتاح لدي. ماذا عساي أن أفعل؟ قررت أن أسند الباب بطريقة ما بحيث لا يقفل تماما حتى أتجنب دراما محاولة إيقاظ أي أحد ليفتح لي حين أعود، ما أسهل الحياة فقط لو شغلنا أدمغتنا قليلا، هنيئا لك يا هتون بهذا العقل المتنور. المهم أنني ركبت سيارتي وتوجهت مباشرة للمحطة والتي أعرف طريقها جيدا. تغيرت مكة كثيرا في السنوات الأخيرة. سابقا، كان الخط الدائري والذي يربط أطراف مكة بداية من طريق مكة-جدة السريع واضحا تماما، الآن ومع الطرق التي لا أعرفها مثل الدائري الرابع والثالث وهذا يؤدي للمشاعر المقدسة وذاك يؤدي مباشرة للشرائع، أصبح الوضع معقدا، ولكن على مين، أنا لها، أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، متى ما أدوس البنزين تعرفوني. اشتريت البن وكعادتي قربته من أنفي لوقت ليس بالقصير فقط لاستمتع برائحته وهوا طازج، بالله عليكم هل هناك رائحة في الحياة أزكى من هذه الرائحة؟ لا أظن. يممت صوب طريق العودة وأنا مستمتعة بالأجواء الغائمة والهواء الذي يميل قليلا للبرودة، كما قمت بتشغيل لستة الأغاني المفضلة لدي. ماذا عساه أن يكون أفضل من ذلك؟ سرت في الطريق وأنا مستمتعة ومتيقظة لأخذ المخرج الذي سيعيدني مرة أخرى للحي. وجدت نفسي فجأة في طريق طويل لا نهاية له. أين أنا يا ترى؟ لماذا لم يعطني الطريق خيار العودة؟ أليس من واجب الطريق أن يعطيني إما خيار اللف والعودة أم الاستمرار؟ لماذا هنا يأخذني إلى ما لا نهاية؟ أصبحت أسير وأسير وحينها قررت تشغيل خرائط جوجل، وجدتها توجهني صوب طريق مكة-جدة السريع. ماذا؟ لماذا يا أخت خرائط جوجل؟ من قال أنني ذاهبة لجدة؟ أنا الآن في مكة، مكية عتيدة تعرف الطرق وتعي تماما المدينة التي ولدت وترعرعت فيها. لماذا تأخذني هناك؟ هل لأنها غير مسلمة فلا ترغب بالاستمرار وتريد الذهاب لخط الليث حيث طريق الغير مسلمين؟ يا الله ما هذا الاضطراب. المهم وجدت نفسي فجأة في طريق مكة-جدة، وبعد أن كنت على بعد مسافة ٥ دقائق من منزل الوالد، أصبحت على بعد مسافة ٢٠-٢٥ دقيقة. حسنا يا هتون، لا تلومي نفسك فجل من لا يخطأ. الآن أنت تعرفين الطريق جيدا، أنت تأتين لمكة أسبوعيا وتحفظين الطريق عن ظهر غيب، فتوكلي على الله، ولكن أتعلمين، دعي خرائط جوجل توجهك، لعل هناك طريق مختصر تستطيعين من خلاله طوي بعد المسافة وتعودين بسرعة وتعوضين هذا الوقت. تركت خرائط جوجل توجهني. وجدتها تطلب مني الالتفات يمينا. لماذا يا جوجل؟ اليمين أعلم جيدا أنه لا يؤدي للبيت، لا أعلم أين سيأخذني ولكن حتما ليس للبيت. ولكن يا هتون جوجل مرتبطة بالأقمار الصناعية ويقوم بإدارتها أنظمة ذكاء صناعي، أعطيها هامش ثقة، هيا يا هتون. وسمعت كلامها. وفجأة وجدت نفسي أقطع طرقا طويلة لا نهاية لها. وجدت نفسي وسط غابة من الجسور والكباري لا أعرف لها بداية ولا أرى لها نهاية. حسبي الله عليك يا خرائط جوجل. كان علي أن أعلم منذ البداية أنك لا تعرفين مكة. أصبحت أسير وأسير بلا أي هدى أو معالم واضحة. سرت حوالي ال ٤٥ دقيقة حتى لاح لي معلم معروف. أقفلت تلك الخرائط الغبية وتوجهت صوب المعلم، ومن هناك اتبعت الطريق الذي أعرفه. وصلت البيت بعد أن قضيت في الطريق وقتا كان كفيلا بإيصالي لبيتي في جدة، لعله كان ذلك أفضل، فلو ذهبت لبيتي وفتحت خزانتي وأخذت البن وعدت لاستغرقني هذا نفس الوقت الذي قضيته ألفلف في طرقات مكة التي كان علي الاعتراف وقتها أنني لم أعد أعرفها. وصلت البيت، أوقفت السيارة ونزلت منها. وجدت الباب مشرعا على مصراعيه. شعرت بنغزة في صدري، لماذا الباب مشرعا هكذا؟ يا الله يا الله، من دخل المنزل الآن؟ على رسلك يا هتون لا تتسرعي بالحكم لعله الهواء. دخلت البيت مترقبة، ووجدت بأن ما أخشاه قد حصل فعلا، يا وكستك يا هتون. وجدت في الدهليز الخارجي أول قطة من قبيلة القطط التي تستوطن حوش بيت الوالد. رأتني وصرخت لتنبه أخواتها أن اهربن لتحطمنكم هتون وقهوتها وأنتم لا تعلمون. هربت الأولى ولكني تمكنت من محاصرتها وطردها للخارج. عند الدرج سمعت أصواتا متداخلة للقطط، كم يا ترى عددهم؟ فتحت الباب المفضي للدور الذي نجلس فيه، وجدت إحدى القطط على بعد مسافة قصيرة من غرفة الوالد. يا ويلي سيستيقظ والدي ويجد قطط ضالة في بيته بسبب ابنته التي تركت بيته مرتعا للقطط لتجلب لنفسها قهوة، يا للأنانية. سارعت بمحاصرتها لأفاجأ بأصوات أخرى لقطط في الصالة الأخرى المؤدية لباقي الغرف. كان على أن أضع استراتيجية. فلأبدأ من الداخل واستدرجهم واحدة واحدة حتى أقودهم جميعا للأسفل. بدأت بالقطة التي تسللت لأبعد نقطة. حاصرتها وأخرجتها. صرخت فتنبهت صديقتها وعاودت الاختباء. فتحت الباب لأخرج أول قطة لأتفاجأ بأن هناك قطتين تسللتا للدور العلوي المفضي للسطح وغرف العاملات. الآن ماذا على أن أفعل؟ أصعد لأنزل المتسللات؟ أم أنزل هذه التي حاصرتها قبل أن تتسلل للأعلى مع رفيقاتها؟ ماذا عن تلك التي لازالت بالدخل؟ لا أعلم ماذا فعلت وقتها ولكنها كانت معركة قططية استنزفتني واستهلكت طاقتي تماما. لماذا لم أطلب من مرسول أن يحضر البن؟ لماذا تفزلكت وادعيت معرفتي بمكة ودهاليزها؟ لماذا وثقت في جوجل؟

بعد ثلاث ساعات من المجهود المتواصل بدءا من اكتشافي بأن لا قهوة لدينا في المنزل وصولا لإعدادي لكوب القهوة، شعرت بأنها القهوة الأغلى في العالم، شربتها وأنا أقنع نفسي بأنها تستحق العناء. وقررت وقتها أن أحضر معي البن دائما من جدة وإن كنت واثقة بأن مطحنة البن في مكة أصبحت تمون بيت الوالد بصورة يومية، ولكنني تعلمت وكالعادة، بأصعب الطرق.

%d مدونون معجبون بهذه: